فكأنّه قال : تحالفوا وأقسموا لتبيّتنّه بالتّاء والنّون تجوز من هذا الوجه ، لأنّ الّذي قال لهم :
( تَقاسَمُوا )
معهم في الفعل داخل ، وإن كان قد أمرهم ؛ ألا ترى أنّك تقول :
قوموا نذهب إلى فلان ، لأنّه أمرهم وهو معهم في الفعل .
فالنّون أعجب الوجوه إليّ ، وإنّ الكسائيّ يقرأ بالتّاء ، والعوامّ على النّون .
وهي في قراءة عبد اللّه
( تَقاسَمُوا )
ثمّ لنقسمنّ ما شهدنا مهلك أهله . وقد قال اللّه :
تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ
آل عمران : 61 ، لأنّهم دعوهم ليفعلوا جميعا ما دعوا إليه . وقرأها أهل المدينة وعاصم والحسن بالنّون ، وأصحاب عبد اللّه بالتّاء .
حدّثنا أبو العبّاس ، قال : حدّثنا محمّد ، قال : حدّثنا الفرّاء ، قال : حدّثني سفيان بن عيينة عن حميد الأعرج عن مجاهد أنّه قرأ ( ليبيّتنّه ) بالياء . ( 2 : 296 )
نحوه أبو زرعة . ( 530 )
الطّبريّ : ويتوجّه قوله :
تَقاسَمُوا بِاللَّهِ
إلى وجهين :
أحدهما : النّصب على وجه الخبر ، كأنّه قيل : قالوا :
متقاسمين ، وقد ذكر أنّ ذلك في قراءة عبد اللّه .
ولا يصلحون
( تَقاسَمُوا بِاللَّهِ )
وليس فيها قالوا ، فذلك من قراءته يدلّ على وجه النّصب في ( تقاسموا ) ، على ما وصفت .
والوجه الآخر : الجزم كأنّهم قال بعضهم لبعض :
أقسموا باللّه ، فعلى هذا الوجه الثّاني تصلح قراءة ( لنبيّتنّه ) بالياء والنّون ، لأنّ القائل لهم : تقاسموا ، وإن كان هو الآمر ، فهو فيمن أقسم ، كما يقال في الكلام :
انهضوا بنا نمض إلى فلان ، وانهضوا نمضي إليه .
وعلى الوجه الأوّل الّذي هو وجه النّصب ، القراءة فيه بالنّون أفصح ، لأنّ معناه : قالوا متقاسمين :
( لنبيّتنّه ) . وقد تجوز الياء على هذا الوجه ، كما يقال في الكلام : قالوا : لنكر منّ أباك ، وليكر منّ أباك .
وبالنّون قرأ ذلك قرّاء المدينة ، وعامّة قرّاء البصرة ، وبعض الكوفيّين . وأمّا الأغلب على قرّاء أهل الكوفة ، فقراءته بالياء وضمّ التّاء جميعا . وأمّا بعض المكّيّين ، فقرأه بالياء .
وأعجب القراءات في ذلك إليّ النّون ، لأنّ ذلك أفصح الكلام على الوجهين اللّذين بيّنت من النّصب والجزم ، وإن كان كلّ ذلك صحيحا غير فاسد لما وصفت . وأكرهها إليّ القراءة بها الياء ، لقلّة قارئ ذلك كذلك .
وقوله :
لَنُبَيِّتَنَّهُ
قال : ليبيّتنّ صالحا ثمّ يفتكوا به . ( 19 : 172 )
نحوه الزّجّاج ( 4 : 123 ) ، وابن الجوزيّ ( 6 : 182 ) ، والقرطبيّ ( 13 : 216 ) ، والقاسميّ ( 13 : 4674 ) .
الماورديّ : أي لنقتلنّه وأهله ليلا ، والبيات : قتل اللّيل . ( 4 : 220 )
نحوه البغويّ ( 3 : 509 ) ، والشّربينيّ ( 3 : 65 ) ، وأبو السّعود ( 5 : 90 ) ، والمشهديّ ( 7 : 355 ) ، والبروسويّ ( 6 : 357 ) ، وعزّة دروزة ( 3 : 163 ) .
الطّوسيّ : المعنى أنّهم تحالفوا : لنطرقنّهم ليلا ، يقال لكلّ عمل باللّيل : تبييت ، ومنه قوله :
إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ
النّساء : 108 . [ ثمّ استشهد