فلا علم لي بالغيب .
والثّاني : أنّ مراده من السّؤال عنها : لم عبدت الأصنام ، ولم لم يعبد اللّه إن كان الحقّ ما وصفت ؟
والثّالث : أنّ مراده : مالها لا تبعث ولا تحاسب ولا تجازى ؟ فقال : علمها عند اللّه ، أي علم أعمالها .
وقيل : الهاء في ( علمها ) كناية عن القيامة ، لأنّه سأله عن بعث الأمم ، فأجابه بذلك . ( 5 : 291 )
نحوه القرطبيّ . ( 11 : 205 )
الفخر الرّازيّ : وأمّا قوله تعالى :
قالَ فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى
فاعلم أنّ في ارتباط هذا الكلام بما قبله وجوها :
أحدها : أنّ موسى عليه السّلام لمّا قرّر على فرعون أمر المبدإ والمعاد ، قال فرعون : إن كان إثبات المبدإ في هذا الحدّ من الظّهور
فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى
ما أثبتوه وتركوه ؟
فكان موسى عليه السّلام لما استدلّ بالدّلالة القاطعة على إثبات الصّانع ، قدح فرعون في تلك الدّلالة ، بقوله : إن كان الأمر في قوّة هذه الدّلالة - على ما ذكرت - وجب على أهل القرون الماضية أن لا يكونوا غافلين عنها ، فعارض الحجّة بالتّقليد .
وثانيها : أنّ موسى عليه السّلام هدّد بالعذاب أوّلا في قوله :
إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى
طه : 48 ، فقال فرعون :
فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى ،
فإنّها كذّبت ، ثمّ إنّهم ما عذّبوا ؟
وثالثها ، وهو الأظهر : أنّ فرعون لمّا قال :
فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى
طه : 49 ، فذكر موسى دليلا ظاهرا وبرهانا باهرا على هذا المطلوب ، فقال :
رَبُّنَا الَّذِي
أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى
طه : 50 ، فخاف فرعون أن يزيد في تقرير تلك الحجّة ، فيظهر للنّاس صدقه وفساد طريق فرعون ، فأراد أن يصرفه عن ذلك الكلام وأن يشغله بالحكايات ، فقال :
فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى ؟
فلم يلتفت موسى عليه السّلام إلى ذلك الحديث بل قال :
عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ
طه : 52 ، ولا يتعلّق غرضي بأحوالهم فلا أشتغل بها .
ثمّ عاد إلى تتميم كلامه الأوّل وإيراد الدّلائل الباهرة على الوحدانيّة ، فقال :
الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَسَلَكَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا
طه : 53 ، وهذا الوجه هو المعتمد في صحّة هذا النّظم . ( 22 : 66 )
أبو حيّان : [ قال نحو الزّمخشريّ وابن الجوزيّ والفخر الرّازيّ إلّا أنّه أضاف : ]
وقيل : سأله عن أخبارها وأحاديثها ليختبر أهما نبيّان أو هما من جملة القصّاص الّذين دارسوا قصص الأمم السّالفة ، ولم يكن عنده عليه السّلام علم بالتّوراة ، إنّما أنزلت عليه بعد هلاك فرعون ، فقال :
عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي
طه : 52 . ( 6 : 247 )
نحوه الآلوسيّ . ( 16 : 203 )
أبو السّعود : [ ذكر الوجه الثّالث كما في كلام الفخر الرّازيّ ثمّ أضاف : ]
وأمّا ما قيل : من أنّه سأله عن حال من خلا من القرون وعن شقاء من شقي منهم وسعادة من سعد ، فيأباه قوله تعالى :
قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ
طه :
52 ، فإنّ معناه أنّه من الغيوب الّتي لا يعلمها إلّا اللّه تعالى ، وإنّما أنا عبد لا أعلم منها إلّا ما علّمنيه من الأمور