تعالى : اثنان منها في هذه الآية ، ولعلّه خصّ بالذّكر هاهنا من بين الأسماء الملائمة معناه للمورد ، لأنّه قريب المعنى من الخالق والموجد ، من برأ يبرأ براء ، إذا فصل ، لأنّه يفصل الخلق من العدم ، أو الإنسان من الأرض ، فكأنّه تعالى يقول : هذه التّوبة وقتلكم أنفسكم وإن كان أشقّ ما يكون من الأوامر ، لكنّ اللّه الّذي أمركم بهذا الفناء والزّوال بالقتل ، هو الّذى برأكم ، فالّذي أحبّ وجودكم وهو خير لكم ، هو يحبّ الآن حلول القتل عليكم فهو خير لكم ، وكيف لا يحبّ خيركم وقد برأكم !
فاختيار لفظ ( البارئ ) بإضافته إليهم ، في قوله :
( إلى بارئكم ) وقوله :
عِنْدَ بارِئِكُمْ
للإشعار بالاختصاص ، لإثارة المحبّة . ( 1 : 189 )
بنت الشّاطئ : الكلمة جاءت مرّتين في آية البقرة : 54
وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ .
وجاء ( البارئ ) اسما من أسماء اللّه تعالى الحسنى في آية الحشر : 24
هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى .
كما جاء منه الفعل المضارع في آية الحديد : 22 .
ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ
ومن غير المهموز ، جاءت « البريّة » مرّتين في آيتي البيّنة : 6 ، 7 .
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أُولئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ .
وفي غير معنى الخلق جاءت المادّة في البراءة ، والتّبرّؤ ، والتّبرئة .
وتفسير البارئ بالخالق يبدو قريبا ، لولا أنّ آية الحشر جمعت بين
الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ
ثمّ إنّ فعل « الخلق » يجيء في القرآن مسندا إلى اللّه تعالى في أكثر من مائة وستّين موضعا ، ومعها
خَلَقَ اللَّهُ
العنكبوت :
44 ، و
خَلْقِ الرَّحْمنِ
الملك : 3 ، سبحانه
خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ
الرّعد : 16 والزّمر : 62 والأنعام : 102 ،
هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ
فاطر : 3 ،
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ
الحجر : 86 ، فهل من فرق دلالة بين الخالق والبارئ ؟
ذكر الرّاغب : أنّ « البارئ » خصّ بوصفه تعالى ، ولم يبيّن وجه اختصاص اللّه سبحانه بصفة البارئ .
وفي « القاموس » : برأ اللّه الخلق : خلقهم .
وفيه كذلك : البراء : أوّل ليلة ، أو يوم من الشّهر ، أو آخرها وآخره .
ولو قد اقتصر في « البراء » على أوّل الشّهر لفهمنا البارئ بكونه تعالى يبدأ الخلق ثمّ يعيده كما بدأه أوّل مرّة .
والزّمخشريّ فسّر
الْخالِقُ الْبارِئُ
في آية الحشر ، فقال : ( الخالق ) : المقدّر لما يوجده ، ( البارئ ) :
المميّز بعضه عن بعض بالأشكال المختلفة . ومثله في « البحر المحيط » لأبي حيّان .
وذهب ابن الأثير إلى وجه آخر في الفرق بين