وهو خلاف الظّاهر ، والسّياق يقتضي أنّها في الكفرة مطلقا وبرّهم كما قلنا ، ومن هنا اشتهر أنّ الكافر يعجل له ثواب أعماله في الدّنيا بتوسعة الرّزق وصحّة البدن وكثرة الولد ونحو ذلك ، وليس لهم في الآخرة من نصيب .
لكن ذهب جماعة إلى أنّه يخفّف بها عنه عذاب الآخرة ، ويشهد له قصّة أبي طالب .
وذهب آخرون إلى أنّ ما يتوقّف على النّيّة من الأعمال لا ينتفع الكافر به في الآخرة أصلا لفقدان شرطه ؛ إذ لم يكن من أهل النّيّة لكفره ، وما لا ينتفع به ويخفّف به عذابه ، وبذلك يجمع بين الظّواهر المقتضي بعضها للانتفاع في الجملة وبعضها لعدمه أصلا فتدبّر .
( 12 : 24 - 26 )
رشيد رضا : أي وباطل في نفسه ما كانوا يعملونه في الدّنيا ، لأنّه لا ثمرة له ولا أجر في الآخرة ، وإنّما الأعمال بمقاصدها ، والنّتائج تابعة لمقدّماتها ، فإن كان في عملهم خير ونيّة حسنة يجازون عليه في الدّنيا .
قال تعالى في تفصيل هذا الإجمال :
مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُوماً مَدْحُوراً
الإسراء : 18 ،
وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً
الإسراء : 19 ،
كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً
الإسراء : 20 ،
انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا
الإسراء : 21 .
وقال معلّم الخير الأعظم صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنّما الأعمال بالنّيّات ، وإنّما لكلّ امرئ ما نوى ، فمن كانت هجرته إلى اللّه ورسوله فهجرته إلى اللّه ورسوله ، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوّجها فهجرته إلى ما هاجر إليه » . رواه البخاريّ في سبعة مواضع من صحيحه مختلفة الألفاظ ، ومسلم وغيرهما ، من حديث عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه .
الدّين يبيح الطّيّبات من المآكل والمشارب غير الضّارّة ، ويبيح الزّينة في غير إسراف ولا خيلاء ، وإنّما يذمّ من يحتقر المواهب الإنسانيّة من عقليّة وروحانيّة ، فيجعل كلّ همّه وحظّه من وجوده في الشّهوات الحيوانيّة الّتي تفضله بها الأنعام والحشرات ، فيفضله الثّور في كثرة الأكل ، والبعير في كثرة الشّرب ، والعصفور في كثرة السّفاد ، والطّاووس في زينة الألوان ولمعان اللّباس .
ومن اختبر أهل أمصارنا في هذا العصر علم من إسرافهم في هذه الشّهوات والزّينة ، ما هو مفسد لصحّتهم وأخلاقهم وبيوتهم ، حتّى نسائهم وأطفالهم ، وما حق لثروتهم ، ومضعف لأمّتهم ودولتهم ، وما بعد ذلك إلّا إضاعة آخرتهم .
وترى مع هذا أنّ حكومتهم ومدارسهم لا تقيم للتّربية الدّينيّة وزنا ، وتجعل الصّلاة الّتي هي عماد الدّين اختياريّة ، لا يلزمها أحد من معلّميها ، ولا من تلاميذها .
ومن العجيب أن تختلف الرّوايات في الآيتين ، هل نزلتا في المشركين أم في كفّار أهل الكتاب أم في المنافقين ؟ وما نزلتا منفردتين في طائفة خاصّة ، بل في ضمن سورة مكّيّة ؛ حيث لا منافقون ولا أهل كتاب ،