الأمم المحيطة بهم . وضرب له مثلا بالأمم الّتي هلكت بالنّعيم .
وقد أذاع فلاسفة الألمان في عصرنا كتبا نشروها قبيل الحرب الكبرى : إنّ الدّولة إذا لم تصب بحروب مهلكة فإنّها تغرق في النّعيم وتنسى كمالها وعظمتها ، فمن أراد أن يوقظ دولة فليبتدع لها حربا تنشطها وتلمّ شعثها . ثمّ إنّنا نرى اللّه عزّ وجلّ جعل هذا قاعدة عامّة .
فالأمم البدويّة الّتي ترحل من مكان إلى مكان في تتبّع مساقط المطر تكون أقوى أبدانا وأصحّ نفوسا وأقرب إلى الشّجاعة ، والأمم الّتي أتاها الخير والنّعيم من كلّ جانب فهم يزرعون ويأكلون ويشربون لا يخافون الفقر والقحط . فهؤلاء يكثر نسلهم كما قلّ نسل من قبلهم .
ولكن انظر ما ذا ترى ، ترى الأوّلين أعزّاء أقوياء لا يتغلّب عليهم متغلّب إلّا قليلا . وإن تغلّب لا يقدر على كسر شكيمتهم ، وترى الآخرين قد رخصت الأسعار عندهم ، وكثر الّذين يعطونهم بالرّبا الفاحش ورخصت أجورهم في العمل لكثرة عددهم . وفوق ذلك يأتي لهم العدوّ بالمدافع والجيوش فيتسلّط عليهم ليشاركهم في رزقهم .
فانظر كيف أيقظ اللّه النّاس على الأرض . قوم خلقهم في أرض قفراء فعلّمهم الشّجاعة والهمّة ، وقوم منحهم سعة الرّزق وسلّط عليهم الذّلّ .
انظر إلى أمّتنا الإسلاميّة ، جاء الإسلام لعرب في بادية الحجاز وحضره ، فلمّ شعثهم وكانوا متفرّقين ، إنّما كانت بلادهم قد علّمتهم الجلد والصّبر وشظف العيش .
وهذه آثار صفات العزّة وصفات البطش الشّديد ؛ فتعلّموا قبل النّبوّة تعلّما طبيعيّا مرنهم على الصّبر ومكارم الأخلاق ، كما تراه في أشعارهم .
جاء الإسلام وأمروا بالفتح ، ولكن صاحب الشّريعة صلّى اللّه عليه وسلّم - كما جاء في الصّحيح وذكرته في هذا التّفسير سابقا - قال لهم ما معناه : إنّ أخوف ما أخاف عليكم ما يفتح عليكم من زينة الدّنيا وزخرفها ، فقال له أعرابيّ : أو يأتي الشّرّ من الخير ؟ فأجابه صلّى اللّه عليه وسلّم ضاربا المثل بالمطر والنّبات ، فالمطر خير ولكن الشّرّ عارض .
فهو صلّى اللّه عليه وسلّم لمّا انتصر الإسلام لم تفته هذه ، فأفهمهم أنّ كثرة النّعم أخافته صلّى اللّه عليه وسلّم على المسلمين . وقد تمّ ذلك بعد وفاته ، فإنّهم فتحوا البلاد شرقا وغربا ، فاتّسعت دائرة الحسد والعداوة بينهم وكان ما كان ، حتّى عظم الملك وتداخل فيه الفرس والتّرك ، وذهبت الدّولة بسبب البطنة والنّعيم ، كما أخبر صلّى اللّه عليه وسلّم في « البخاريّ » أنّه يخاف ذلك . وكما قال تعالى :
أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ
الأحقاف : 20 .
هنالك جاء التّتار والمغول في القرن السّادس والسّابع وما بعدهما وضربوا دولة الإسلام من جهة الشّرق ، ولم يكن عند قطب أرسلان الّذي هجم عليه جنكيز خان هو ولا علماء الإسلام علم بقوّة المغول والتّتار ، كما تقدّم في سورة الكهف عند ذكر يأجوج ومأجوج ، هذا في جهة الشّرق ، وترى نظيره في بلاد الأندلس فذهبت الدّولة الأمويّة هناك ، ثمّ تفرّقت