الفخر الرّازيّ : فيه مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أنّ قوله : ( وانّ منكم ) يجب أن يكون راجعا إلى المؤمنين الّذين ذكرهم اللّه بقوله :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ
النّساء : 71 ، واختلفوا على قولين :
الأوّل : المراد منه المنافقون ، كانوا يثبّطون النّاس عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم .
فإن قيل : قوله :
وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ
تقديره : يا أيّها الّذين آمنوا إنّ منكم لمن ليبطّئنّ ، فإذا كان هذا المبطّئ منافقا فكيف جعل المنافق قسما من المؤمن في قوله : ( وانّ منكم ) ؟
والجواب من وجوه :
الأوّل : أنّه تعالى جعل المنافق من المؤمنين من حيث الجنس والنّسب والاختلاط .
الثّاني : أنّه تعالى جعلهم من المؤمنين بحسب الظّاهر ، لأنّهم كانوا في الظّاهر متشبّهين بأهل الإيمان .
الثّالث : كأنّه قيل : يا أيّها الّذين آمنوا في زعمكم ودعواكم ، كقوله :
يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ
الحجر : 6 .
القول الثّاني : إنّ هؤلاء المبطّئين كانوا ضعفة المؤمنين ، وهو اختيار جماعة من المفسّرين قالوا :
والتّبطئة بمعنى الإبطاء أيضا ، وفائدة هذا التّشديد تكرّر الفعل منه ، وحكى أهل اللّغة أنّ العرب تقول : ما أبطأ بك يا فلان عنّا ؟ وإدخالهم الباء يدلّ على أنّه في نفسه غير متعدّ .
فعلى هذا معنى الآية أنّ فيهم من يبطئ عن هذا الغرض ويتثاقل عن هذا الجهاد ، فإذا ظفر المسلمون تمنّوا أن يكونوا معهم ليأخذوا الغنيمة ، وإن أصابتهم مصيبة سرّهم أن كانوا متخلّفين .
قال : وهؤلاء هم الّذين أرادهم اللّه بقوله :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ
التّوبة : 38 ، قال : والّذي يدلّ على أنّ المراد بقوله : ( ليبطّئنّ ) الإبطاء منهم ، لا تثبيط غيرهم ، ما حكاه تعالى من قولهم :
يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ
النّساء :
73 ، عند الغنيمة ، ولو كان المراد منه تثبيط الغير لم يكن لهذا الكلام معنى .
وطعن القاضي في هذا القول ، وقال : إنّه تعالى حكى عن هؤلاء المبطّئين أنّهم يقولون عند مصيبة المؤمنين :
قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً
النّساء : 72 ، فيعدّ قعوده عن القتال نعمة من اللّه تعالى .
ومثل هذا الكلام إنّما يليق بالمنافقين لا بالمؤمنين ، وأيضا لا يليق بالمؤمنين أن يقال لهم :
كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ
النّساء : 73 ، يعني الرّسول ( مودّة ) فثبت أنّه لا يمكن حمله على المؤمنين ، وإنّما يمكن حمله على المنافقين .
ثمّ قال : فإن حمل على أنّه من الإبطاء والتّثاقل صحّ في المنافقين ، لأنّهم كانوا يتأخّرون عن الجهاد ويتثاقلون ولا يسرعون إليه ، وإن حمل على تثبيط الغير صحّ أيضا فيهم ، فقد كانوا يثبّطون كثيرا من المؤمنين بما يوردون عليهم من أنواع التّلبيس ، فكلا الوصفين موجود في المنافقين .
وأكثر المفسّرين حمله على تثبيط الغير ، فكأنّهم