كأنّ هذا لو كان كلاما لقلت : إنّ منكم لمن أحلف : واللّه ليبطّئنّ .
والنّحويّون يجمعون على أنّ « من وما والّذي » لا يوصلنّ بالأمر والنّهي إلّا بما يضمر معها من ذكر الخبر ، وأنّ لام القسم إذا جاءت مع هذه الحروف فلفظ القسم وما أشبه لفظه مضمر معها . ( 2 : 75 )
الطّوسيّ : قال الحسن ومجاهد وقتادة وابن جريج وابن زيد : نزلت هذه الآية في المنافقين الّذين كانوا يثبّطون النّاس عن الجهاد ، فإذا أصابتهم مصيبة فيه من قتل أو هزيمة ، قالوا قول الشّامت بهم في تلك الحال : قد أنعم اللّه علينا إذ لم نكن معهم شهداء ، أي حضورا . وقال أبو جعفر عليه السّلام : « من يتمنّى التّأخّر عن جماعة المسلمين ، لا يكون إلّا كافرا » .
فقوله :
وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ . .
خطاب للمؤمنين ، وإنّما أضاف المنافقين إليه لأمرين :
أحدهما : إنّ من عدادكم ودخلائكم .
الثّاني : أي منكم في الحال الظّاهرة ، أو حكم الشّريعة من حقن الدّم ، ونحو ذلك من الموارثة ، والمناكحة .
واللّام الأولى لام الابتداء بدلالة دخولها على الاسم ، والثّانية لام القسم بدلالة دخولها على الفعل مع نون التّأكيد ، وتقديره : إنّ منكم لمن حلف باللّه ليبطّئنّ .
وإنّما جاز صلة « من » بالقسم ، ولم يجز بالأمر والنّهي ، لأنّ القسم خبر يوضح الموصول ، كما يوضح الموصوف في قولك : مررت برجل لتكرمنّه ، لأنّه خصّصه بوقوع الإكرام به في المستقبل من كلّ رجل غيره ، وليس كذلك الأمر في قولك : مررت برجل أضربه ، لأنّه لا يتخصّص بالضّرب في الأمر كما تخصّص في الخبر .
قال الفرّاء : تدخل اللّام في النّكرات وفي « من وما والّذي » فإذا جئت بالمعرفة الموقّتة لم يجز إدخال اللّام فيها ، لا تقول : إنّ عبد اللّه ليقومنّ وإنّ زيدا ليذهبنّ ، لأنّ زيدا ، وعبد اللّه ، لا يحتاجان إلى صلة . ( 3 : 254 )
الزّمخشريّ : معنى ( ليبطّئنّ ) ليتثاقلنّ وليتخلّفنّ عن الجهاد .
وبطأ بمعنى أبطأ ، كعتم بمعنى أعتم ، إذا أبطأ . وقرئ ( ليبطئنّ ) بالتّخفيف ، يقال : بطأ عليّ فلان وأبطأ عليّ ، وبطؤ نحو ثقل ، ويقال : ما بطّأ بك ؟ فيعدّى بالباء .
ويجوز أن يكون منقولا من « بطؤ » نحو ثقل من « ثقل » فيراد : ليبطّئنّ غيره وليثبّطنّه عن الغزو .
كان هذا ديدن المنافق عبد اللّه بن أبيّ وهو الّذي ثبّط النّاس يوم أحد . ( 1 : 541 )
نحوه النّيسابوريّ . ( 5 : 82 )
ابن عطيّة : اللّام الدّاخلة على ( يبطّئنّ ) لام قسم عند الجمهور ، تقديره : ( وانّ منكم لمن ) واللّه ( ليبطّئنّ ) .
وقيل : هي لام تأكيد ، و ( يبطّئنّ ) معناه يبطّئ غيره ، أي يثبّطه ويحمله على التّخلّف عن مغازي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم .
وقرأ مجاهد ( ليبطئنّ ) بالتّخفيف في الطّاء . ( 2 : 77 )
الطّبرسيّ : يبطّئ ويبطئ بالتّشديد والتّخفيف معناهما واحد ، أي من يتأخّر عن الخروج مع النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله . ( 2 : 74 )