رابعا : أنّ إخوة يوسف استبضعوا أخاهم ، فباعوه بثمن بخس ، وأبضعهم ميرة - ( نمير أهلنا ) - بدون ثمن ، إظهارا لكرامته ، وإشارة إلى هوان ماصبوا إليه ، إذ باعوه بمال حقير ، وشراهم بقوت يسير ، فكانت صفقة رابحة ، نفّست بها الكروب ، وبرئ النّبيّ يعقوب وأخصب جنابهم ، والتأم شملهم .
خامسا : اختلفوا في إعراب ( بضاعة ) في ( واسرّوه بضاعة ) في ( 1 ) ، هل هي حال - كما عليه الأكثر - أي أخفوا يوسف حال كونه بضاعة لهم ومتاعا للتّجارة . أو مفعول له ، أي أسرّوه ليكون بضاعة لهم . أو مفعول لفعل مقدّر ، أي أسرّوه واتّخذوه بضاعة ؟
واختلفوا كذلك اختلافا كثيرا في ضمير الجمع في ( اسرّوه ) وفي
وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ
يوسف : 20 ، إلى من يرجعان ؟ إلى إخوة يوسف ، أي أنّهم أسرّوا أنّه أخاهم - وقالوا : إنّه عبد لنا قد أبق - ليتّخذوه بضاعة ، ثمّ شروه بثمن بخس من السّيّارة بعد ما خرج من البئر .
وهذا يوافق كون ( بضاعة ) مفعولا له أو مفعولا به .
أو إلى الوارد ومن معه من التّجّار ، أي هؤلاء أخفوا أمر يوسف عن رفقتهم السّيّارة بأنّهم أخرجوه من البئر .
أو اشتروه بثمن بخس من إخوة يوسف ، لو فرضنا أنّهم هم الّذين شروه بثمن بخس ، لئلّا يسألوهم الشّركة فيه ، وأسرّوا في أنفسهم أنّه بضاعة ، أو ليبقى لهم بضاعة .
أو ادّعوا أنّهم استبضعوه من صاحب المال بضاعة يبيعوها لهم في مصر ، فجعلوها بضاعة وأمانة ، ثمّ شروه هؤلاء بمصر بثمن بخس . وهذا يوافق أيضا كونها مفعولا له أو مفعولا به ، واختاره الطّبريّ والطّوسيّ وغيرهما بتفاوت قليل ، بحجّة أنّ
وَأَسَرُّوهُ بِضاعَةً
جاء عقيب
وَجاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ فَأَدْلى دَلْوَهُ ،
فلأن يكون ماوليه خبرا له أولى من أن يكون خبرا لإخوة يوسف المنفصلين عنه .
وعندنا أنّ هذا أوفق بالسّياق ، لأنّ الأوّل يستدعي تكلّف أنّ الإخوة - بعد أن خلص يوسف من الجبّ على يد الوارد - ادّعوا أنّه عبد لهم أبق ، ليتيسّر لهم بيعه للسّيّارة ، والوجه الثّاني خال عن هذا التّكلّف . وعليه فالّذين شروه بثمن بخس هم السّيّارة دون إخوة يوسف ، والمشتري هو الّذي جاء فيه بعدها
وَقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ . . . .
ففي القصّة شراء واشتراء واحد ليس مرّتين ؛ أحدهما : شراءه الإخوة للسّيّارة ، وثانيهما : شراءه السّيّارة للّذي اشتراه من مصر .
وكأنّ الّذين اختاروا الوجه الأوّل عمدوا إلى الرّوايات والقصص الّتي هي أشبه بالأساطير في قصّة يوسف خاصّة ، وفي سائر القصص القرآنيّة عامّة ، وأكثرها إسرائيليّات سرت إلى تفاسير المسلمين في الصّدر الأوّل فما بعده ، يلتذّ بسردها ويتمتّع بنقلها القاصّون ومن ينسج على منوالهم ، من الوعّاظ والمتصوّفة والشّعراء .
سادسا : من شدّة حلاوة قصّة يوسف وما فيها من نكات بلاغيّة لطيفة - ولا سيّما بشأن يوسف حين ألقي في البئر وحين خلص منها - صارت ( بضاعة ) في آيتين منها مثلا سائرا :
بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ ،
هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ