سعادات لا تصل العقول إلى وصفها ألبتّة .
واعلم أنّه تعالى لمّا قال :
يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ
بيّن الشّي الّذي به يبشّرهم ، وهو أمور : أوّلها : قوله :
بِرَحْمَةٍ مِنْهُ ،
وثانيها : قوله :
وَرِضْوانٍ .
وأنا أظنّ - والعلم عند اللّه - أنّ المراد بهذين الأمرين ما ذكره في قوله :
ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً
الفجر : 28 ، والرّحمة كون العبد راضيا بقضاء اللّه ؛ وذلك لأنّ من حصلت له هذه الحالة كان نظره على المبلي والمنعم لا على النّعمة والبلاء . ومن كان نظره على المبلي والمنعم لم يتغيّر حاله ، لأنّ المبلي والمنعم منزّه عن التّغيّر .
فالحاصل أنّ حاله يجب أن يكون منزّها عن التّغيّر .
أمّا من كان طالبا لمحض النّفس كان أبدا في التّغيّر من الفرح إلى الحزن ، ومن السّرور إلى الغمّ ، ومن الصّحّة إلى الجراحة ، ومن اللّذّة إلى الألم ؛ فثبت أنّ الرّحمة التّامّة لا تحصل إلّا عندما يصير العبد راضيا بقضاء اللّه .
فقوله :
يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ
هو أنّه يزيل عن قلبه الالتفات إلى غير هذه الحالة ، ويجعله راضيا بقضائه ، ثمّ إنّه تعالى يصير راضيا ، وهو قوله :
( ورضوان ) ، وعند هذا تصير هاتان الحالتان المذكورتان في قوله :
راضِيَةً مَرْضِيَّةً
وهذه هي الجنّة الرّوحانيّة النّورانيّة العقليّة القدسيّة الإلهيّة . ثمّ إنّه تعالى بعد أن ذكر هذه الجنّة العالية المقدّسة ذكر الجنّة الجسمانيّة ، وهي قوله :
وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ * خالِدِينَ فِيها أَبَداً
التّوبة : 21 . ( 16 : 15 )
القرطبيّ : أي يعلمهم في الدّنيا ما لهم في الآخرة من الثّواب الجزيل والنّعيم المقيم . ( 8 : 93 )
أبو حيّان : أسند التّبشير إلى قوله : ( ربّهم ) لما في ذلك من الإحسان إليهم بأنّ مالك أمرهم ، والنّاظر في مصالحهم هو الّذي يبشّرهم ، فذلك على تحقيق عبوديّتهم لربّهم . ( 5 : 21 )
الآلوسيّ : قرأ حمزة ( يبشرهم ) بفتح الياء ، وسكون الباء ، وضمّ الشّين والتّخفيف ، على أنّه من « بشر » الثّلاثي ، وأخرجها أبو الشّيخ عن طلحة بن مصرّف ، وفي التّعرّض لعنوان الرّبوبيّة مع الإضافة إلى ضمير « هم » وكونه سبحانه هو المبشّر ، ما لا يخفي من اللّطافة واللّطف . ( 10 : 69 )
الطّباطبائيّ : ظاهر السّياق أنّ ما يعدّه من الفضل في حقّهم بيان وتفصيل لما ذكر في الآية السّابقة من فوزهم ، جيء به بلسان التّبشير ، فالمعنى : ( يبشّرهم ) أي هؤلاء المؤمنين
رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ
عظيمة لا يقدّر قدرها . ( 9 : 206 )
يبشّرك
1 -
فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقاً . . .
آل عمران : 39
وأمّا قوله :
يُبَشِّرُكَ
فإنّ القرّاء اختلفت في قراءته ، فقرأته عامّة قرّاء أهل المدينة والبصرة
أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ
بتشديد الشّين ، وضمّ الياء ، على وجه تبشير اللّه زكريّا بالولد ، من قول النّاس : بشرت فلانا البشرى بكذا وكذا ، أي أتته بشارات البشرى بذلك .
وقرأ ذلك جماعة من قرّاء الكوفة وغيرهم ( انّ اللّه يبشرك ) بفتح الياء وضمّ الشّين وتخفيفها ، بمعنى أنّ اللّه