المرسل إليه ليست بشارة من الرّسول بل من المرسل ، ألا ترى إضافة ذلك إليه في قوله : ( يبشّرك ) وقد قال في سورة مريم : 7 ،
يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ
فأسند ذلك إليه تعالى .
وقرأ حمزة والكسائيّ : ( يبشرك ) في الموضعين ، في قصّة زكريّا وقصّة مريم . وفي الإسراء وفي الكهف وفي الشّورى من « بشر » مخفّفا ، وافقهما ابن كثير ، وأبو عمرو في « الشّورى » زاد حمزة في الحجر إلّا
فَبِمَ تُبَشِّرُونَ
ومريم .
وقرأ الباقون ( يبشّر ) من بشّر المضعّف العين ، وقرأ عبد اللّه ( يبشر ) في جميع القرآن من أبشر ، وهي لغى ثلاث ، ذكرها غير واحد من اللّغويّين . ( 2 : 446 )
أبو السّعود : وقرئ ( يبشرك ) من الإبشار ، و ( يبشرك ) من الثّلاثيّ .
وأيّا مّا كان ينبغي أن يكون هذا الكلام إلى آخره محكيّا بعبارته عن اللّه عزّ وجلّ ، على منهاج قوله تعالى :
قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ
الزّمر : 53 ، كما يلوح من مراجعته عليه الصّلاة والسّلام في الجواب إليه تعالى بالذّات ، لا بواسطة الملك . والعدول عن إسناد التّبشير إلى نون العظمة - حسبما وقع في سورة مريم - للجري على سنن الكبرياء ، كما في قول الخلفاء : أمير المؤمنين يرسم لك بكذا ، وللإيذان بأنّ ما حكي هناك من النّداء والتّبشير وما يترتّب عليه من المحاورة ، كان كلّ ذلك بتوسّط الملك ، بطريق الحكاية عنه سبحانه لا بالذّات ، كما هو المتبادر ، وبهذا يتّضح اتّحاد المعنى في السّورتين الكريمتين ، فتأمّل . ( 1 : 364 )
الآلوسيّ : [ بعد نقل قول أبي السّعود قال : ]
وكان الدّاعي إلى اعتبار ما هنا محكيّا بعبارة من اللّه تعالى ، ظهور عدم صحّة كون ما في سورة مريم من عبارة الملك غير محكيّ من اللّه تعالى ، وأنّ الظّاهر اتّحاد الدّعاءين ، وإلّا فما هنا ممّا لا يجب حمله على ما ذكر لولا ذلك ، والملوّح غير موجب كما لا يخفى ، ولا بدّ في الموضعين من تقدير مضاف كالولادة . إذ التّبشير لا يتعلّق بالأعيان ، ويؤول في المعنى إلى ما هناك ، أي إنّ اللّه يبشّرك بولادة غلام اسمه يحيى . ( 3 : 146 )
رشيد رضا : قرأ ابن عامر وحمزة ( إنّ ) بكسر الهمزة ، لأنّ النّداء قول ، والباقون بفتحها على تقدير الباء ، أي نادته بأنّ اللّه يبشّره . وفيه إشعار بأنّ البشارة محكيّة بالمعنى لا باللّفظ ، فما هنا لا ينافي ما في سورة مريم من التّفصيل . ( 3 : 297 )
2 -
إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ .
آل عمران : 45
الطّبريّ : والتّبشير : إخبار المرء بما يسرّه من خبر ، وقوله : ( بكلمة منه ) يعني برسالة من اللّه ، وخير من عنده ، وهو من قول القائل : ألقى فلان إليّ كلمة سرّني بها ، بمعنى أخبرني خبرا فرحت به ، كما قال جلّ ثناؤه :
وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ
النّساء : 171 ، يعني بشرى اللّه مريم بعيسى ألقاها إليها .
فتأويل الكلام : وما كنت يا محمّد عند القوم ؛ إذ قالت الملائكة لمريم : يا مريم إنّ اللّه يبشّرك ببشرى من عنده ،