5 - ومغزى جملة « يبسط الرزق ويقدر » أو
يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ
- كما يفصح عنه سياق الآيات - أنّ أزمّة العباد في أرزاقهم الّتي بها قوام حياتهم بسطا وقبضا بيد اللّه تعالى وليس بيدهم ، وإن كانوا مأمورين بالسّعي والعمل ، وهذا من فضل اللّه على العباد ، حيث أناط معيشتهم بمشيئته ، ليتوجّهوا إليه في جميع الحالات ، فالرّزق رباط وثيق بين اللّه وعباده ، يقودهم به طوعا أو كرها إلى طاعته .
ثانيا : هناك أربع آيات جاء « البسط » فيها بمعنى بسط القدرة والبطش بالآخرين ، وهي ( 2 ) و ( 14 ) و ( 15 ) و ( 19 ) ، فالآية الأولى ( 2 ) حكاية لحال ابني آدم ؛ حيث بسط أحدهما يده إلى الآخر وقتله ، وهو لم يبسط يده إلى أخيه ، وفيها بحثان :
الأوّل : أنّ الطّريف فيها الفرق بين الجملتين بأمرين :
1 - أنّ الأخ المقتول ينسب البسط إلى القاتل بلفظ الفعل ( بسطت ) إيجابا ، وإلى نفسه بلفظ اسم فاعل
ما أَنَا بِباسِطٍ
نفيا . ووجهه ظاهر ، فإنّ القتل يقع مرّة ولا يستمرّ ، أمّا عدم القتل فيدوم ، فأتى باسم الفاعل الدّالّ على الثّبات مقترنا بالنّفي ومؤكّدا بالباء
ما أَنَا بِباسِطٍ ،
وبالقسم في أوّله ( لئن ) ، فإنّ اللّام للقسم ، فالأخ المقتول يؤكّد على أنّه ليس ذلك الرّجل الّذي يبسط يده إلى قتل أخيه إطلاقا ، وأنّ ذلك ليس من شأنه ، وأنّه ليس ممّن يوصم به ؛ وذلك ليتبرّأ من مقدّمات القتل فضلا عن القتل .
2 - تقديم ( إلى ) في
بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ
وتأخيره في
ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ
إيذانا من أوّل الأمر بوقوع القتل عليه بيد أخيه ، ليثير فيه عاطفة الأخوّة ، أو تأكيدا لحرص أخيه على الإضرار به ، خلافا لما هو عليه ، فلا حرص له ولا عزم على قتل أخيه ، بل لا يخطر بباله ذلك .
الثّاني : أثيرت في النّصوص الشّبهة التّالية : لماذا لم يدافع الأخ المقتول عن نفسه ؟ فهو استسلم لأخيه القاتل ليقتله ، رغم أنّ الدّفاع عن النّفس واجب عقلا وشرعا ؟ وأجابوا عنها بوجوه :
1 - ليس في الآية أنّه قال : لا أدافع عن نفسي ، بل قال : لا أبتدؤك بالقتل ، أو لا أقتلك ظلما كما تقتلني ظلما ، أو أنّ « اللّام » في ( لأقتلك ) هي « لام » كي ، وهي منبئة عن الإرادة والغرض ، وإرادة القتل واتّخاذه غرض قبيح أوّلا وآخرا ، إلى غير ذلك ممّا قيل .
2 - ما كان الدّفاع عن النّفس واجبا يوم ذاك ، بل كان الحكم الاستسلام للقاتل ، فنسخت بالشّرائع بعده ولا سيّما في الإسلام .
والصّواب عندنا أنّها لا تتضمّن حكم الدّفاع ، بل حكم القتل ابتداء ظلما وإثما ، لقوله في آخرها :
إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ * إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ . . .
المائدة : 28 ، 29 ، ويؤيّده ما سبق من الفرق بين الجملتين وفي وجه التّقديم والتّأخير .
والآية الثّانية
إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ . . . ،
وقد اختلفت الأقوال والرّوايات في شأن نزول هذه الآية ، وقد جمعها الطّبرسيّ في مجمع البيان ( 3 : 343 ) ، وتردّد فيها الطّباطبائيّ ، فلاحظ . وما يهمّنا