في الآية أمور :
1 - إنّ تقديم الجارّ والمجرور على المفعول في
أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ ،
وتأخيرهما عنهما في
فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ ،
يحمل نكتة بلاغيّة ، نظير ما تقدّم في الآية الأولى ، فتقديمهما على المفعول الصّريح - كما عبّر عنه أبو السّعود - للمسارعة إلى بيان ضرر البسط وغائلته لهم ، وحرص الأعداء على الإضرار بهم ، حملا لهم من أوّل الأمر على الاعتداد بنعمته ، وعلى القيام بدفع عدوان عدوّهم . كما أنّ تقديم ( لكم ) في
هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً
البقرة : 29 ، تعجيل لمسرّتهم بأنّها مخلوقة لهم .
وأمّا وجه تأخيرهما عنه في
فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ
هو المسارعة في بيان خطر أيديهم وعظم نعمة كفّها عنهم .
2 - جاء فيها الكفّ في قبال البسط ؛ إذ في بسط اليد هنا معنى التّعدّي والتّجاوز ، ودفعها بكفّها . أمّا في آيات بسط الرّزق فجاء القبض والتّقدير دون الكفّ قبال البسط .
3 - نسب الهمّ ببسط اليد إلى الأعداء . وهو مستور في القلوب ، لم يطّلع عليه المؤمنون ، ونسب الكفّ إلى اللّه وعدّها نعمة منه عليهم ، وأيّ نعمة ! إذ اطّلع على ما في ضمائرهم من نوايا سيّئة ، فكفّها عنهم .
4 - أتى ب ( أيديهم ) جمعا ومضافة إلى العدوّ مرّتين ، تعظيما لخطرها وتنبيها على أنّ كلمتهم واحدة ، وكونهم يدا واحدة على المؤمنين ، وتشجيعا للمؤمنين على أن يقتدوا بهم في وحدة الكلمة ، ويصيروا يدا واحدة أمام الأعداء .
5 - تعدّى البسط ب « إلى » ، والكفّ ب « عن » إعلاما بتلك المقابلة ، فالآية - جملة - فيها ترغيب في مقابلة الأعداء بمثل كيدهم للمسلمين .
6 - وختم ذلك كلّها كضمان لفوزهم بتقوى اللّه والتّوكّل عليه بأسلوب مؤكّد ؛ إذ قال :
وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ .
7 - كرّر كلمة ( اللّه ) في الآية ثلاث مرّات : مرّة في صدرها ومرّتين في ذيلها ، ضمانا لتأييده إيّاهم ، وللّه الحجّة البالغة في آياته .
والآية الثّالثة ( 15 ) :
وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ
1 - قدّم فيها ( إلى ) على ( أيديهم ) أيضا لما ذكر في الآيتين السّابقتين ، وليس فيها مقابلة كما كان فيهما ، إلّا أنّ فيها زيادة ، وهي عطف ( ألسنتهم ) على ( أيديهم ) ، فقال :
وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ .
قال الطّباطبائيّ : « وبسط الأيدي بالسّوء كناية عن القتل والسّبي وسائر أنحاء التّعذيب ، وبسط الألسن بالسّوء كناية عن السّبّ والشّتم » الميزان ( 19 : 228 ) .
ونحوه الطّبرسيّ إلّا أنّه أضاف : « ولا يتركون غاية في إلحاق السّوء بكم باليد واللّسان » . مجمع البيان ( 2 :
270 )
2 - الجمع بين ( أيديهم ) و ( ألسنتهم ) مع قيد ( بالسّوء ) تجسيم بليغ لعداوتهم للمؤمنين .
3 - قد أكّدها بقوله :
وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ ،
أي أنّ عداوتهم لكم بلغت مبلغا بحيث إنّهم يودّون أن ترجعوا