الطّباطبائيّ : معنى الآية لو وسّع اللّه الرّزق على عباده ، فأشبع الجميع بإيتائه لظلموا في الأرض ، لما أنّ من طبع سعة المال الأشر والبطر والاستكبار والطّغيان ، كما قال تعالى :
كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى
العلق : 7 . ( 18 : 56 )
بسطت
لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ .
المائدة : 28
ابن عبّاس : لا أنا بمنتصر ، ولأمسكنّ يدي عنك .
( الطّبريّ 6 : 191 )
مجاهد : كان كتب اللّه عليهم : إذا أراد الرّجل أن يقتل رجلا ، تركه ولا يمتنع منه . ( الطّبريّ 6 : 192 )
مثله الحسن ( الجصّاص 2 : 401 ) ، ونحوه ابن جريج ( الآلوسيّ 6 : 112 ) .
أبو عبيدة : أي مددت . ( 1 : 161 )
مثله البغويّ ( 2 : 39 ) ، والنّسفيّ ( 1 : 280 ) .
الطّبريّ : يقول : مددت الىّ يدك
لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ
يقول : ما أنا بمادّ يدي إليك لأقتلك .
وقد اختلف في السّبب الّذي من أجله قال المقتول ذلك لأخيه ، ولم يمانعه ما فعل به ، فقال بعضهم : قال ذلك إعلاما منه لأخيه القاتل ، أنّه لا يستحلّ قتله ، ولا بسط يده إليه ، بما لم يأذن اللّه به .
وقال آخرون : لم يمنعه ممّا أراد من قتله ، وقال ما قال له ، ممّا قصّ اللّه في كتابه : إنّ اللّه عزّ ذكره فرض عليهم ألّا يمتنع من أريد قتله ممّن أراد ذلك منه .
وأولى القولين في ذلك بالصّواب ، أن يقال : إنّ اللّه عزّ ذكره قد كان حرّم عليهم قتل نفس بغير نفس ظلما ، وأنّ المقتول قال لأخيه : ما أنا بباسط يدي إليك إن بسطت إليّ يدك ، لأنّه كان حراما عليه من قتل أخيه ، مثل الّذي كان حراما على أخيه القاتل من قتله .
فأمّا الامتناع من قتله ، حين أراد قتله ، فلا دلالة على أنّ القاتل حين أراد قتله وعزم عليه ، كان المقتول عالما بما هو عليه عازم منه ومحاول من قتله ، فترك دفعه عن نفسه . بل قد ذكر جماعة من أهل العلم أنّه قتله غيلة ، اغتاله وهو نائم ، فشدخ رأسه بصخرة .
فإذا كان ذلك ممكنا ، ولم يكن في الآية على أنّه كان مأمورا بترك منع أخيه من قتله ، لم يكن جائزا ادّعاء ما ليس في الآية ، إلّا ببرهان يجب تسليمه . ( 6 : 191 )
الجصّاص : [ بعد نقل قول ابن عبّاس ومجاهد قال : ]
وجائز في العقل ورود العبادة بمثله ، فإن كان التّأويل هو الأوّل ، فلا دلالة فيه على جواز ترك الدّفع عن نفسه ، بقتل من أراد قتله ، وإنّما فيه أنّه لا يبدأ بقتل غيره .
وإن كان التّأويل هو الثّاني ، فهو منسوخ لا محالة .
وجائز أن يكون نسخه بشريعة بعض الأنبياء المتقدّمة ، وجائز أن يكون نسخه بشريعة نبيّنا صلّى اللّه عليه وسلّم .
والّذي يدلّ على أنّ هذا الحكم غير ثابت في شريعة النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، وأنّ الواجب على من قصده إنسان بالقتل أنّ عليه قتله إذا أمكنه ، وأنّه لا يسعه ترك قتله مع الإمكان ، قوله تعالى :
وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ