من البسر ، وهو التّمر قبل أن يرطب ، لأنّ من أكله يقطّب وجهه .
وعلى كلّ حال فقد تفرّع منه معنيان :
أحدهما : ذمّ ، وهو قبح المنظر ، لأنّ من يقطّب وجهه يظهر منظره قبيحا ، وينظر بكراهة ، ومنه : بسر ، أي نظر بكراهة شديدة .
وثانيهما : مدح ، ويقال للأسد : باسل ، لأنّ وجهه المقطّب يحكي عن غضبه وشجاعته ، وقد يوصف به الرّجل الشّجاع ، فيقال له : الباسل .
4 - وقد ذكر ابن فارس أصلا ثانيا للمادّة ، وهو وقوف الشّيء وقلّة حركته ، ومنه : أبسر المركب في البحر ، أي وقف . وقد نسب القرطبيّ هذه اللّغة إلى أهل اليمن ، وكذلك الآلوسيّ ، ثمّ قال : « وفي النّفس من ثبوت ذلك لغة صحيحة توقّف » .
ونقول : لو ثبتت صحّته فلعلّه متفرّع من « البسور » أي التّجهّم والعبوس ، لأنّ صاحبه يبقى مفكّرا بلا حراك ، أو لأنّ فيه ضعفا ونقصا ، كما قال المصطفويّ ، فلاحظ .
5 - وإذا تجاوزنا ذلك ، فكلّ ما ذكر من الباسور ، وجمعه بواسير : مرض معروف ، والبياسرة ، جمع بيسريّ ، جيل بالسّند ، والبسار : مطر يدوم طويلا بالهند ، هي ألفاظ أعجميّة دخيلة ، وليست عربيّة ، إلّا أنّهم اشتقّوا من الباسور لفظ مبسور ، وهو من أصيب به .
الاستعمال القرآنيّ
جاء من هذه المادّة لفظا ( بسر ) و ( باسرة ) في سورتين مكّيّتين من السّور القصار :
1 -
ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ
المدّثّر : 21 - 23
2 -
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ * تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ
القيمة : 24 ، 25
يلاحظ أوّلا : أنّ أولاهما وصف لمن أنكر القرآن أشدّ الإنكار ، وثانيتهما وصف لوجه الكفّار في الآخرة ، فانقسمت المادّة بين الدّنيا والآخرة وصفا للكافر العنيد ، والآخرة هي انعكاس الدّنيا ومحصولها .
ثانيا : اختصّت السّور المكّيّة بذلك لما كان فيها من الإنكار المؤكّد ، وما في سورها من الاسترسال وتناسب الفواصل . فالفاصلة في جملة الآيات الأولى ( فعل ) مختوم ب « راء » ، فجاء ( بسر ) ، وفي الثّانية ( فاعلة ) مختومة ب « راء » أيضا ، فجاءت ( باسرة ) . فلرعاية الفواصل دخل في اختيار هاتين الصّيغتين في السّورتين .
ثالثا : جاءت ( بسر ) في الأولى بعد ( عبس ) ، و ( عبس ) ، بعد ( نظر ) ، و ( نظر ) بعد ( فكّر وقدّر ) ، والفاصل بين كلّ آية وأخرى الحرف ( ثمّ ) على النّحو التّالي :
إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ
المدّثّر : 18 - 23 ، فقد فصلت هذه الأفعال بعضها عن بعض ب ( ثمّ ) ، ولم يفصل بها بعض عن بعض آخر ، فلم يفصل ( قدّر ) عن ( فكّر ) ، ولا ( بسر ) عن ( عبس ) ، ولا ( استكبر ) عن ( ادبر ) .
وقد أتى في صدرها بجملتين مكرّرتين معترضتين دعاء على هذا المنكر العنيد ، ممّا يحكي شدّة السّخط عليه ، وشدّة إدانته جرّاء عناده .