4 - ويخطر بالبال أنّ الآية ( 31 )
وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً . . .
المطوّلة من سورة المدّثّر - وهي نظير المزّمّل نزولا وسياقا - الواقعة بين آياتها القصيرة ، هي مدنيّة أيضا ، نزلت تبيانا لقوله تعالى :
عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ
المدّثّر : 30 ، في المدينة ، وهذا يحتاج إلى دراسة أكثر ؛ إذ لو كانت مكّية فما وجه اختلاف السّياق ، هذا رغم وحدة رويّها مع رويّ ما قبلها وما بعدها من الآيات ، فلاحظ .
5 - ومجمل الكلام في آية المزّمّل كالآتي :
1 - لم يسبق لفظ « اللّه » هذه الآية في هذه السّورة سوى وروده في البسملة ، ولا يعدّ هنا ، وإلّا فلا وجه لاستثناء ( 29 ) سورة المتقدّمة ، فلولا هذه الآية لكانت سورة المزّمّل في عداد تلك السّور .
2 - إنّ آيات هذه السّورة وإن خلت من لفظ « اللّه » ، إلّا أنّ في سياقها تشديدا ، حتّى فيما هو موجّه إلى النّبيّ ، لاحظ قوله تعالى :
إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا * إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلًا * إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلًا * وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا ،
إلى أن قال :
وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلًا * وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا * إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالًا وَجَحِيماً ،
وهكذا يستمرّ في التّشديد إلى قوله :
إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا
المزّمّل : 5 - 19 .
3 - إنّ سياق هذه الآية - الطّويلة المتّصلة مباشرة ب
إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ -
يغاير ما قبله ؛ إذ تغشاه السّكينة والوداد ، فلاحظ قوله :
إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى
مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ ،
وهذه شهادة منه تعالى على استكانته وطاعته له حينما أمره في صدر السّورة بقوله :
قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا ،
ثمّ قال :
وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ ،
فشاطره بطائفة من المؤمنين اقتدوا به ، لم يؤمروا بصلاة الّليل في صدر السّورة ، ثمّ ذكر معاذيرهم . وفيها ذكر القتال ، وهو خاصّ بالتّشريع المدنيّ ، وهذا دليل على أنّها نزلت المدينة ؛ حيث قال :
وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ .
وخلاصة القول أنّ الآية ليس فيها سوى الهدى والنّصح والرّأفة ، بخلاف آية الدّين .
4 - ثمّ إنّ ما جاء فيها من الأمر أو ما يشبهه يصطبغ بالسّكينة والرّجاء والهدوء واليسر ، مثل :
فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ
فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ
يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ
يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً
وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ
وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
5 - وقد جمع اللّه في هذه الآية بين ألفاظ وتعبيرات كلّها رجاء وشكر ، حتّى كادت لا تخلو منها كلمة من ذلك عكس آية الدّين تماما ، مثل : طائفة من الّذين معك ، فتاب عليكم ، ما تيسّر من القرآن ( مرّتين ) ، فضل اللّه ، سبيل اللّه - وقلّ اجتماع هذين في آية واحدة - وأقرضوا اللّه قرضا حسنا ، من خير تجدوه عند اللّه ، هو خيرا