بل هي في هذا الحال أعرف الأشياء لديه ، فلا بلاغة في تنكيرها .
على أنّ تنكير ( مآرب ) يفيد التّعميم والإطلاق ، فيشمل كلّ حاجة ، ويذهب بذهن السّامع إلى كلّ مذهب ممكن ، في حال أنّ الإربة بثبوتها وصمودها كأنّها شخّصت في واحد بعينه ، لا تتجاوزه فجاءت معرفة .
وثالثا : تعتيم المقصود من ( مآرب ) باستعمال لفظة ( أخرى ) وهي لفظة تجريديّة غير دالّة على شيء محدّد وجه من بلاغة التّعبير ، ودعم لفائدة التّعميم ، ولمّا كانت ( مآرب ) بغية مجهولة مبهمة يسعى إليها للحصول عليها من دون تحديدها في الذّهن ، فهو سعي إلى واحد بين أرقام ، ورمية من غير رام . فلهذه النّكتة عوملت معاملة المفرد ، فوصفت بما هو في الأصل دالّ على الفرد المؤنّث وهو ( أخرى ) في مثل قولك : مسألة أخرى ، ومسائل أخر . فإذا وحّدت تلك المسائل وحجّمتها وأنزلتها منزلة مفرد مجهول ضئيل ، كان لك أن تصفها بلفظة « أخرى » بدل « أخر » وعند الطّبرسيّ - كما سبق - ليوافق رؤوس الآي ، قال : « فنصّ على اللّازم ، وكنّي عن العارض » واللّازم هو الموصوف : « المآرب » والعارض هو الصّفة : ( أخرى ) .
ورابعا : اختيار لفظة ( مآرب ) على ( إربة ) ونحوها ، وهي كما قلنا جمع مأرب ، بمعنى الحاجة لعلّه - واللّه أعلم - أنّها شبيهة بمآريب جمع مأروب - لو كان مستعملا عند العرب - أي ما يحتاج إليه الإنسان ، وهو المقصود في الآية . ولهذا فسّرها بعضهم بالمنافع ، فوضع مآرب مكان مآريب ، أو هو مخفّف عنه ، أو أنّ المصدر الميميّ جاء بمعنى اسم المفعول ؛ فالمأرب بمعنى ما يرغب فيه ويحتاج إليه ، كما أنّ « المأثم » ما يأثم به الإنسان .
وخامسا : اختيار القرآن لفظ ( أولى الإربة ) على غيره ، فيه عناية إلى أنّ رغبة الرّجل إلى المرأة شديدة ، فتبدّلت إلى شعور وحاجة غريزيّة لا يتحاشى الرّجل عن إظهارها أمام المرأة ، بما في ذلك من ذلّة وحقارة له توجب الرّيبة ، ومن هنا ففي ( الإربة ) معنى « الرّيبة » كما جاء في الفقه : « نظر الرّيبة » .
وبين اللّفظين اشتراك جذريّ « أرب ، ريب » بما بين الهمزة والياء من علاقة تأصيل وتأثيل في لغة العرب قياسها وسماعها ، وبخاصّة في باب الإعلال الصّرفيّ .
وإذا ما أفدنا من نظريّة التّقاليب ، أي الاشتقاق الأكبر ، عند ابن جنّيّ ، ولاحظنا أنّ ( أولى الإربة ) يمكن أن يقع في دائرة الرّيب إن كشفت المرأة عن زينتها أمام الرّجل ، أدركنا جمال اختيار ( الإربة ) على غيره .
ولا سيّما إذا لاحظنا أنّ في هذا التّعبير استثارة دخيلة الإنسان لأن ينفّذ الحكم الشّرعيّ ، لأنّ ذوي الإربة هم ذوو ريب غالبا ، وخصوصا في تلك الحال ، أي حين تعرض أمامهم محاسن المرأة وزينتها ؛ فمثل هذا الرّجل إذا سمع لفظة « الإربة » استيقظ له معنى « الرّيب » للتّشابه اللّفظيّ والتّلازم المعنويّ . وفيه إيقاظ له وتنبّه بطريق غير مباشر ، ليرغب عن الإثم والمعصية ، ويتّجه بشطر التّقوى والطّاعة .
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 59
مساهمون: مجمع البحوث الاسلامية
ص٥٩