فيهنّ . علم المقصود بهذا التّحديد ، وأنّها حاجة لاصقة بعضو خاصّ ، فيحاكي لفظ الإربة الرّغبة الجنسيّة ، كما يحاكي العضو الخاصّ ، حتّى أنّها قد تطلق على هذا العضو نفسه ، لأنّه هو كلّ شيء في تلك الحاجة ، فهو رأس الدّاء والدّواء .
2 - ومن جهة أخرى فإنّ مادّة « أرب » من الأضداد الّتي تطلق على الشّيء ونقيضه ، في سيرها اللّغويّ وتقلّبها الجذريّ حسب نظريّة الاشتقاق الأكبر . فمن تقلّباتها « أبر - ربأ - برأ » وكلّها دالّ على الخروج من الشّيء والانقطاع عنه والعلوّ عليه .
وبضدّها « رأب - أرب - بأر » الدّالّة على الدّخول في الشّيء ووصل بعضه ببعض ، وادّخاره أيضا والمحافظة عليه . ومن هذا الضّدّ يظهر أنّ « أرب » دالّ على الرّغبة في الشّيء والحرص عليه ومحاولة امتلاكه . ومنه يؤخذ « الأرب » وهو العقل .
وبالنّظر لكون أجلّ الرّغبات في البيئة الصّحراويّة تتمثّل في غريزة المحافظة على النّوع ، أطلق على العضو الخاصّ « الإرب » على ما ورد في الحديث : « أملككم لإربه » كما فسّره ابن فارس وغيره .
3 - ومن الأرب بمعنى الحاجة والرّغبة تظهر المأربة ، فالمآرب ، مثلّثة الرّاء ، وأصلها على زنة « مفاعل » بفتح الميم وكسر العين ، لأنّه مصدر ميميّ . وإنّما ثلّثت الرّاء في مأربة - سماعا وبحسب لغات القبائل - لكونها ناشئة عن تلوّن الحاجات واختلافها ، وبذلك تلتقي لفظة مآرب بلفظة الأرب والإربة ؛ من حيث دلالتها جميعا على الحاجة والرّغبة .
الاستعمال القرآنيّ
ورد منه في القرآن لفظان ( مارب ) في سورة مكّيّة ، و ( الإربة ) في سورة مدنيّة :
1 -
قالَ هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى
طه : 18
2 -
وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ . . .
أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ
النّور : 31
يلاحظ أوّلا : أنّه جاء بلفظ الجمع في المكّيّة ؛ حيث التّفرّق والفوضى في المجتمع ، والفساد في العقيدة والأخلاق ، والتّعدّد في الآلهة . وجاء بلفظ المفرد في المدنيّة ، حيث الوحدة والانتظام في المجتمع ، والتّوحيد في العقيدة .
مضافا إلى أنّ موسى عليه السّلام - وهو صاحب العصا - كانت له مآرب شتّى في عصاه ، فهي موجّهة إلى أغراض مختلفة . وأمّا الرّجل ذو الإربة إلى النّساء ، الّذي طغى عليه سلطان الشّهوة فلا همّ له إلّا النّساء ، فهمومه صارت همّا واحدا تركّز فيهنّ .
وثانيا : تلائما وتلاحما مع ما ذكر تماما جاءت ( مآرب ) نكرة ؛ حيث تعدّدت الحاجات والرّغبات ، فتشتّت واختلطت وتنكّرت ، فلم يعرف بعضها من بعض ، فضعفت الهموم وصغرت في نفس موسى ، فليس له اهتمام بالغ لها .
وأمّا الإربة إلى النّساء فإنّها حاجة معروفة ، مطلوب تنفيذها بأيّ حال مهما كلّف صاحبها ، فلا يغفل عنها الرّجل ، وهو في عنفوان الشّباب وغليان الباه والشّهوة ،