يلاحظ أوّلا : أنّه في الثّلاث الأولى أضاف الأكل إلى الذّئب كجناية ارتكبها في حقّ يوسف البريء من كلّ ذنب ، وهو مع ذلك افتراء على الذّئب . وفي الأخيرتين أضافه إلى الطّير - وهو سبع أيضا - في حقّ المصلوب الّذي لا حيلة له ولا يقوى على الفرار وخلاص نفسه .
ثانيا : أنّه ليس في القرآن ذكر آخر عن أكل لحم الإنسان إلّا في آية واحدة :
أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً
الحجرات : 12 .
وبهذا يتّضح عذوبة التّعبير القرآنيّ في تصوير شناعة من يغتاب أخاه المؤمن ؛ حيث يقول :
أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً ،
أي أنّه سبع يأكل لحم الإنسان الّذي هو من جنسه وأخوه ، والسّبع يأكله ؛ إذ ليس هو من جنسه ، فهو أسوء عملا من السّبع . وفي هذه الآية نكات أخرى . لاحظ « أخ و » و « ل ح م »
6 - وممّا يشهد بأنّ الأكل عمل حيوانيّ يتعاطاه الإنسان بجسمه ، هو أنّه تعالى حين أراد التّدليل على أنّ عيسى وأمّه بشران قال :
مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ
المائدة : 75 .
كما يحكي عن المشركين في آيات أنّهم عدّوا أكل الطّعام دليلا على أنّ الرّسل بشر لا يصلحون للرّسالة :
1 -
ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ
المؤمنون : 33
2 -
ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ
الفرقان : 7
والقرآن يشاطرهم هذا الرّأي القائل : إنّ الأنبياء بشر يأكلون الطّعام ؛ حيث قال :
وَما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَما كانُوا خالِدِينَ
الأنبياء : 8
7 - ويلاحظ أنّ القرآن كلّما يسند الأكل إلى الإنسان يعبّر عنه بلفظ البشر أو الجسد الّذي يعني جسمه دون روحه ، وكلّما يسند إليه العلم والفهم وما إلى ذلك يعبّر عنه بالإنسان . وتمام الكلام في « أن س » و « ب ش ر » .
8 - ومن شواهد ذلك أيضا أنّ إبراهيم عليه السّلام يتوقّع الأكل من الأصنام استهزاء بها ، وإشارة إلى أنّها أجسام وليست آلهة :
فَراغَ إِلى آلِهَتِهِمْ فَقالَ أَ لا تَأْكُلُونَ
الصّافّات : 91
كما أنّه عليه السّلام حينما أراد أن يعلم حال ضيوفه أهم بشر أم ملائكة توسّل إلى الأكل :
فَراغَ إِلى أَهْلِهِ فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ * فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قالَ أَ لا تَأْكُلُونَ
الذّاريات : 27 ، 28 ، فلمّا لم يأكلوا
فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ .
كما أنّ اللّه دلّ على أنّ ناقة ثمود حيوان حقيقة ، قال :
1 -
فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ
الأعراف : 73
2 -
وَيا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ
هود : 64
9 - وجدير بالذّكر أنّه لم يرد في القرآن أمر بالأكل إلّا وهو مباح ، وورد كثير منه في مورد رفع الحظر حسبما يعبّر عنه علماء علم الأصول ، فلاحظ آيات الأمر بالأكل تجد صدق ذلك ، وليس فيها مما يدلّ على الوجوب .
لكنّ القرآن حينما أباح الأكل وأمر به إنّما خصّ