واحد : عن القرآن .
والكلام السّابق مشعر بكلّ من صرف الصّرف الّذي لا أشدّ منه وأعظم . ووجه المبالغة من إسناد الفعل إلى من وصف به ، فلو لا غرض المبالغة لكان من توضيح الواضح ، فكأنّه أثبت للمصروف صرف آخر ، حيث قيل : يصرف عنه المصروف ، فجاءت المبالغة من المضاعفة . ثمّ الإطلاق في المقام الخطابيّ له مدخل في تقوية أمر المضاعفة ، وكذلك الإبهام الّذي في الموصول ، وهو قريب من قوله تعالى :
فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ . . .
طه : 78 .
وقيل : المراد يصرف عنه في الوجود الخارجيّ من صرف عنه في علم اللّه تعالى وقضائه سبحانه ، وتعقّب بأنّه ليس فيه كثير فائدة ، لأنّ كلّ ما هو كائن معلوم أنّه ثابت في سباق علمه تعالى الأزليّ ، وليس فيه المبالغة السّابقة .
وأجيب عن الأوّل بأنّ فيه الإشارة إلى أنّ الحجّة البالغة للّه عزّ وجلّ في صرفه ، وكفى بذلك فائدة ، وهو مبنيّ [ على ] أنّ العلم تابع للمعلوم ، فافهمه .
وحكى الزّهراويّ : أنّه يجوز أن يكون الضّمير ل « ما توعدون » أو « للدّين » أقسم سبحانه بالذّاريات على أنّ وقوع أمر القيامة حقّ ، ثمّ أقسم بالسّماء على أنّهم في قول مختلف في وقوعه ، فمنهم شاكّ ، ومنهم جاحد . ثمّ قال جلّ وعلا : يؤفك عن الإقرار بأمر القيامة من هو المأفوك . وذكر ذلك الزّمخشريّ ولم يعزه ، وادّعى صاحب « الكشّاف » أنّه أوجه لتلاؤم الكلام .
وقيل : يجوز أن يكون الضّمير ل ( قول مختلف ) و « عن » للتّعليل ، كما في قوله تعالى :
وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ
هود : 53 ، أي يصرف بسبب ذلك القول المختلف من أراد الإسلام .
وقال الزّمخشريّ : « حقيقته يصدر إفكهم عن القول المختلف ، وهذا محتمل لبقاء « عن » على أصلها من المجاوزة واعتبار التّضمين » ، وفيه ارتكاب خلاف الظّاهر من غير داع مع ذهاب تلك المبالغة .
وجوّز ابن عطيّة رجوع الضّمير إلى « القول » إلّا أنّه قال : « المعنى يصرف عن ذلك القول المختلف بتوفيق اللّه تعالى للإسلام من غلبت سعادته » . وتعقّبه بأنّ فيه مخالفة للعرف ، فإنّ عرف الاستعمال في الإفك الصّرف من خير إلى شرّ ، فلذلك لا تجده إلّا في المذمومين . ( 27 : 5 )
نحوه الطّباطبائيّ . ( 18 : 366 )
يأفكون
1 -
وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ .
الأعراف : 117
ابن عبّاس : يكذبون . ( الفخر الرّازيّ 14 : 204 )
مثله مجاهد . ( الطّبريّ 9 : 21 )
أبو عبيدة : أي تلهم ما يسحرون ويكذبون ، أي تلقمه . ( 1 : 225 )
الزّمخشريّ : ( ما ) موصولة أو مصدريّة بمعنى ما يأفكونه ، أي يقلبونه عن الحقّ إلى الباطل ويزوّرونه ، أو إفكهم تسمية للمأفوك بالإفك . ( 2 : 103 )
مثله البيضاويّ ( 1 : 363 ) والنّسفيّ ( 2 : 69 ) ، والبروسويّ ( 3 : 313 ) .