إسرائيل كما هو مستعمل عندهم ، لا يعقوب نفسه ، وكان ذلك تأديبا لهم على ظلمهم وجرائمهم . وبهذا البيان تكون الآية ردّا على اليهود ؛ حيث أنكروا النّسخ فأثبت اللّه ذلك لهم ؛ إذ حرّم بعض الطّعام عليهم بعدما كان حلالا لهم .
قال صاحب « المنار » : ولو أريد ب ( إسرائيل ) يعقوب نفسه لما كان حاجة إلى قوله :
مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ ؛
لأنّ زمن يعقوب سابق على زمن نزول التّوراة سبقا لا يشتبه فيه فيحترس عنه . وقد اختار هو أنّ المراد ما حرّموه على أنفسهم بحكم العادة والتّقليد لا بحكم من اللّه .
وقد ردّ العلّامة الطّباطبائيّ عليهما بأنّه تكلّف ، مخرج للكلام عن مجراه ، وأنّ قوله :
مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ
متعلّق بقوله في صدر الكلام
كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ
دون قوله :
إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ ؛
لكي يثبت القول الآخر . ثمّ دعم رأيه القائل - أنّ المراد به يعقوب - بأنّه قال :
عَلى نَفْسِهِ
بضمير المذكّر المفرد ، ولو كان المراد الشّعب لكان من اللّازم أن يقال : على نفسها ، أو على أنفسهم .
وكذلك فإنّ ( بني إسرائيل ) مذكور في القرآن أكثر من أربعين موضعا ، ومن جملتها هذه الآية :
كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ
فعبّر أوّلا ببني إسرائيل ثمّ بإسرائيل ، ولو أريد بهما واحد لالتبس الأمر .
نقول : ولكلّ من القولين وجه لا يمكن البتّ بأحدهما دون الآخر .
2 - وجاء ( بني إسرائيل ) في القرآن إثر الخطاب « 5 » مرّات ، منها ثلاث مرّات في البقرة :
يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ
( البقرة : 40 )
يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ * *
البقرة : 47 و 122
يا بَنِي إِسْرائِيلَ قَدْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَواعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى * كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى * وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى
طه : 80 - 82
وَإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ
الصّفّ : 6
ويلاحظ أوّلا : في البقرة - وهي مدنيّة وأوّل سورة نزلت بها كما قالوا - أنّ الخطاب موجّه إلى اليهود الّذين كانوا قاطنين يثرب قبل الهجرة ، في تجمّعات قبليّة متعدّدة . وهذا أوّل خطاب من اللّه لأهل الكتاب ؛ إذ النّبيّ لم يواجه أهل الكتاب إلّا بعد الهجرة . وهذه إحدى خصائص السّور المدنيّة ، فالمراد بهم هؤلاء اليهود دون الّذين كانوا في زمن موسى عليه السّلام وقد خصّ اللّه أكثر من مائة آية من هذه السّورة باليهود ، ليسجّل عليهم دعوة النّبيّ بما كشف من أسرارهم وسوء أعمالهم في الماضي ، كما عرّفهم للمسلمين ليحيطوا بحال هؤلاء القوم ،