تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 307

مساهمون:

ص٣٠٧
ويتّخذوا الحيطة والحذر من هؤلاء العتاة . وثانيا : أنّ الخطاب في آية الصّفّ موجّه من عيسى ابن مريم إلى يهود عصره ومن يليهم إعلاما وبلاغا لهم أنّه رسول إليهم ، وأنّه واسطة بين الماضي والآتي : مصدّق للتّوراة قبله ومبشّر بأحمد بعده ، وهذا كلّه لا مجال للخلاف فيه . وثالثا : أنّ آيات طه - وهي مكّيّة لا يخاطب اللّه فيها أهل الكتاب كما قالوا - كالمعترضة بين ما قبلها وما بعدها من آيات السّورة ؛ حيث يحكي اللّه تعالى خروج موسى بقومه من مصر ثمّ صعوده الجبل ليتسلّم الألواح ، وإضلال السّامريّ قومه . فهل هذه الآيات وحدها مدنيّة دون سائر آيات هذه السّورة المكّيّة ؟ فالخطاب فيها ليهود المدينة المعاصرين للنّبيّ ، وهو ما يقتضيه أسلوبها ؛ إذ هي شبيهة تماما لآيات سورة البقرة . ولكن لم يتعرّض أحد من المفسّرين والقرّاء - حسب علمنا - لهذا . أو تكون الآيات مكّيّة خطابا لليهود المعاصرين للنّبيّ قبل الهجرة ، فتكون كالمستثناة من سائر الآيات ، خلافا لأسلوب الآيات المكّيّة . أو هي خطاب من اللّه لمن كان من بني إسرائيل في زمن موسى على لسانه ، والتّقدير : وقال موسى لهم : قال اللّه :
يا بَنِي إِسْرائِيلَ قَدْ أَنْجَيْناكُمْ
فتكون نظير قوله :
وَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ
الأعراف : 141 ، فإنّها مكّيّة أيضا ، وقبلها حوار بين موسى وقومه ، ثمّ تلاها :
وَإِذْ
نَجَّيْناكُمْ
فالظّاهر أنّه حكاية لكلام اللّه . ومثله :
وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ . . .
وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ . . .
يونس : 90 ، و 93 ، وهي مكّيّة أيضا . فالآيتان حكاية حالهم في القرآن بما أوحاه اللّه إليه على لسان موسى . وبالجملة فالمشكلة في هذه الآيات الثّلاث وآية طه واحدة ، وهي توجيه الخطاب إلى بني إسرائيل في سورة مكّيّة ، فلاحظ سياقها . 3 - وفيما حكاه اللّه من خطاب موسى وهارون لقومهما لا يوجد ( يا بني إسرائيل ) بل ( يا قوم ) :
وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ
البقرة : 54
وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ
المائدة : 20
يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ
المائدة : 21
وَقالَ مُوسى يا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا
يونس : 84
وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ
الصّفّ : 5
وَلَقَدْ قالَ لَهُمْ هارُونُ مِنْ قَبْلُ يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ
طه : 90 ولا نرى لذلك وجها إلّا لأجل استمالة القوم والتّحبيب إليهم كغيرهما من الأنبياء ؛ حيث ينادون قومهم ( يا قوم ) ، لاحظ المعجم المفهرس ( يا قوم ) . ولهذه النّكتة نفسها يقول اللّه عن الأنبياء : ( أخاهم ) في آيات كثيرة تقريبا وتأليفا بينهم وبين القوم .