تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 30

مساهمون:

ص٣٠
على نسق ( يؤمن ) بلفظ الرّسول ، تعظيما لشأنه ، وجمعا له في الآية بين الرّتبتين العظيمتين من النّبوّة والرّسالة ، وإضافته إليه زيادة في تشريفه ، وحتم على من أذاه بالعذاب الأليم ، وحقّ لهم ذلك ( والّذين يؤذون ) عامّ يندرج فيه هؤلاء الّذين أذوا هذا الإيذاء الخاصّ وغيرهم . ( 5 : 63 ) الآلوسيّ : أي بأيّ نوع من الإيذاء كان ، وفي صيغة الاستقبال المشعرة بترتّب الوعيد على الاستمرار على ما هم عليه ، إشعار بقبول توبتهم . ( لهم عذاب اليم ) ، أي بسبب ذلك كما ينبئ عنه بناء الحكم على الموصول . وجملة الموصول وخبره مسوق من قبله عزّ وجلّ على نهج الوعيد غير داخل تحت الخطاب ، وفي تكرير الإسناد بإثبات العذاب الأليم لهم ، ثمّ جعل الجملة خبرا ، ما لا يخفى من المبالغة . وإيراده عليه الصّلاة والسّلام بعنوان الرّسالة مع الإضافة إلى الاسم الجليل لغاية التّعظيم والتّنبيه على أنّ أذيّته عليه الصّلاة والسّلام راجعة إلى جنابه عزّ وجلّ ، موجبة لكمال السّخط والغضب منه سبحانه . وذكر بعضهم أنّ الإيذاء لا يختصّ بحال حياته صلّى اللّه تعالى عليه وسلّم بل يكون بعد وفاته صلّى اللّه تعالى عليه وسلّم أيضا ، وعدّوا من ذلك التّكلّم في أبويه صلّى اللّه تعالى عليه وسلّم بما لا يليق ، وكذا إيذاء أهل بيته رضي اللّه تعالى عنهم . ( 10 : 127 ) رشيد رضا : في إضافة الرّسول إلى اسم اللّه عزّ وجلّ إيذان بأنّ إيذاءه إيذاء لمرسله ، أي سبب لعقابه ، كما أنّ طاعته طاعة له وسبب لثوابه
مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ
النّساء : 80 ، وقوله :
لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ
جملة مستقلّة هي خبر لما قبلها ، وفي هذا تأكيد لمضمونها . الآية وما في معناها دليل على أنّ إيذاء الرّسول صلّى اللّه عليه وسلم كفر إذا كان فيما يتعلّق بصفة الرّسالة ، فإنّ إيذاءه في رسالته ينافي صدق الإيمان بطبيعته . وأمّا الإيذاء الخفيف فيما يتعلّق بالعادات والشّؤون البشريّة فهو حرام ، لا كفر ، كإيذاء الّذين كانوا يطيلون المكث في بيوته عند نسائه بعد الطّعام ، فنزل فيهم :
إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ
إلى قوله :
وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً . . .
الأحزاب : 53 . وقال في الأعراب الّذين كانوا يرفعون أصواتهم في ندائه ويسمّونه باسمه :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ . . .
الحجرات : 2 ، فهذه آداب المؤمنين الّتي فرضها عليهم ربّهم مع رسوله صلّى اللّه عليه وسلم وفي التّقصير فيها خطر حبوط الأعمال بدون شعور من المقصّر . وصرّح بعض العلماء بأنّ إيذاءه صلّى اللّه عليه وسلم بعد انتقاله إلى الرّفيق الأعلى كإيذائه في حال حياته الدّنيا ، ومنه نكاح أزواجه من بعده ، قال بعضهم : ومنه الخوض في أبويه وآل بيته بما يعلم أنّه يؤذيه لو كان حيّا ، ولكنّهم جعلوه ذنبا لا كفرا . ولا شكّ أنّ الإيمان به صلّى اللّه عليه وسلم مانع من تصدّي المؤمن لما يعلم أو يظنّ أنّه يؤذيه صلوات اللّه وسلامه عليه إيذاء ما . ولكن لا يدخل في هذا كلّ ما يؤذي أحدا من سلائل
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 30 | مجمع البحوث الاسلامية