وعليه الأكثر .
إنّهما نوعان من الحرير ، واللّفظان معرّبان .
إنّ السّندس ما يلبسونه ، والإستبرق ما يفترشونه .
إنّ السّندس الحرير ، والإستبرق الدّيباج الرّوميّ .
إنّ السّندس الرّقيق من الدّيباج ، والإستبرق الصّفيق العين .
إنّ الإستبرق ديباج يعمل بالذّهب ، كأنّه عرّب من « إستبره » .
إنّ السّندس أصله « سنديّ » نسبة إلى « سند » لأنّه يجلب منه ، الأمر الّذي حمل بعضهم على احتمال كون لفظه هنديّ أيضا ، ونقل الجواليقيّ في « المعرّب » قصّة ذلك .
إنّ السّندس يجري مجرى الشّعار لهم ، وهو اللّين من الدّثار .
إنّ السّندس جمع « سندسة » . وغير ذلك من الأقوال .
7 - ومهما كان الفرق بينهما فيبدو أنّهما كانا مبهمين حتّى على العرب أنفسهم حين نزول القرآن ، لأنّ أكثرهم لا يعرفونهما وإنّما سمعوا بهما عن المترفين . وكان المفسّرون يحكون ما سمعوا عنهم ، فهم غالبا ليسوا من الأثرياء والأشراف .
ونعتقد أنّ بلاغة القرآن تقتضي إبهام أمثال هذه الألفاظ ، ليطمّح الخيال بذهن السّامع بعيدا ، ونرى مصداق ذلك في الاختلاف الحاصل في نظائر هذه الأشياء مثل : ( الأرائك ) و ( أكواب ) و ( أباريق ) و ( كأس ) وغيرها . فهي نيل المنى للمؤمنين وبغيتهم ، فلطالما حرموا منها في الدّنيا ، فلا يعهدون بها سوى أسمائها وأوصافها ، فذكرها أبلغ في ترغيبهم في الحياة الآخرة والأعمال الصّالحة ، والإعراض عن هذه الحياة الدّنيّة العاجلة . فلا غضاضة في إبهامها ، بل الحسن كلّ الحسن في ذلك . ولعلّه كان أيضا مدعاة إلى الاختلاف في الإعراب والقراءة ، فإنّ البلاغة تقتضي ذلك .
8 - ونظرا إلى ما ذكر فقد جاء ( سندس ) و ( إستبرق ) في القرآن منكّرين كغيرهما من الألفاظ الّتي تصف نعيم الجنّة .
9 - ولوحظ تقديم ( سندس ) على ( إستبرق ) في كلّ المواضع الثّلاثة ، فهل في ذلك قصد أم محض صدفة ؟
والشّقّ الأخير من السّؤال بعيد عن بلاغة القرآن ، ولعلّ فيه نكتة . وهي كون ( سندس ) دثارا ، أي ما يلبس فوق الثّياب ، و ( إستبرق ) شعارا ، أي ما يلبس تحت الثّياب .
فحين يصف اللّه لباس أهل الجنّة يبدأ بما يرى أوّلا ، وهو ( سندس ) ثمّ ما تحته من الشّعار ، وهو ( إستبرق ) .
10 - ووصف ( سندس ) و ( إستبرق ) في آيتين ، إحداهما مكّيّة « الكهف » والأخرى مدنيّة « الدّهر » - على خلاف فيها - بكونهما ( خضرا ) ، في حين أنّهما لم يوصفا بذلك في الآيتين الأخريين ، فهل في ذلك سرّ ؟
الجواب : أنّهما لو وصفا في آية مكّيّة أو مدنيّة فقط كان رمزا إلى أنّ هذا النّوع كان موجودا في إحدى المدنيّتين دون الأخرى ، أو كانت الخضرة في اللّباس دون الفراش أمكن الفرق ولكنّهما منفيّان هنا لو كانت سورة الدّهر مدنيّة ، أمّا لو كانت مكّيّة فهي مثل آية الكهف فتدلّان على أنّ هذا النّوع من « سندس وإستبرق » أي الخضر
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 267
مساهمون: مجمع البحوث الاسلامية
ص٢٦٧