فترك اللّه بنفسه ، وكان يمكنه أن يظهر موافقتهم إن بلغ الإيذاء إلى حدّ الإكراه ، ويكون قلبه مطمئنّا بالإيمان فلا يترك اللّه ، ومع هذا لم يفعله بل ترك اللّه بالكلّيّة .
والمؤمن أوذي ولم يترك سبيل اللّه بل أظهر كلمتي الشّهادة ، وصبر على الطّاعة والعبادة . ( 25 : 38 )
الطّباطبائيّ : أي أوذي لإجل الإيمان باللّه بناء على أنّ ( في ) للسّببيّة كما قيل . وفيه عناية كلاميّة لطيفة بجعله تعالى ، أي جعل الإيمان باللّه ظرفا للإيذاء ولمن يقع عليه الإيذاء ، ليفيد أنّ الإيذاء منتسب إليه تعالى انتساب المظروف إلى ظرفه ، وينطبق على معنى السّببيّة والغرضيّة . ونظيره قوله :
يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ . . .
الزّمر : 56 ، وقوله :
وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا . . .
العنكبوت : 69 .
وقيل : معنى الإيذاء في اللّه هو الإيذاء في سبيل اللّه .
وكأنّه مبنيّ على تقدير مضاف محذوف .
وفيه أنّ العناية الكلاميّة مختلفة ، فالإيذاء في اللّه ما كان السّبب فيه محض الإيمان باللّه ، وهو قولهم :
رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا . . .
فصّلت : 30 .
والإيذاء في سبيل اللّه ما كان سببه سلوك السّبيل الّتي هي الدّين ، قال تعالى :
فَالَّذِينَ هاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي
آل عمران : 195 ، ومن الشّاهد على تغاير الاعتبارين قوله في آخر السّورة :
وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا . . .
العنكبوت :
69 ، حيث جعل الجهاد في اللّه طريقا إلى الاهتداء إلى سبله ، ولو كانا بمعنى واحد لم يصحّ ذلك . ( 16 : 105 )
فضل اللّه : إنّهم المنافقون الذّين يعلم اللّه خفاياهم ، فلا يغيب عن علمه شيء من ذلك كلّه
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذا أُوذِيَ فِي اللَّهِ
العنكبوت : 10 ، أي كان الإيذاء متوجّها إليه بسبب إيمانه باللّه وعلاقته به ، من خلال تعرّض مصالحه للخطر ، وعلاقاته بمواقع القوّة في الحياة للتّعقيد ، أو تعرّض جسده للتّعذيب والتّنكيل . وقد فسّر البعض الكلمة على أساس الحذف ، أي أوذي في سبيل اللّه ، في ما يفرضه ذلك من ضريبة المواجهة في خطّ الجهاد .
ولكنّ الظّاهر أنّ الكلمة ليست واردة في هذا السّياق ، لأنّ هؤلاء الجماعة لم يتحرّكوا في خطّ الجهاد ليلحقهم أذاه ، لا سيمّا أنّ السّورة مكّيّة ، في ما تقول بعض الرّوايات ، ممّا يعني أنّها دائرة في سياق الأذى المترتّب على الالتزام العقائديّ - الإيمانيّ .
ولكنّها يمكن أن تختزن بعض المعاني الّتي تشمل ذلك ، على أساس أنّ الإيذاء المترتّب على الالتزام العقائديّ للشّخص ، إنّما يناله من جهة كونه موقفا في مواجهة موقف الكفر ، وموقعا من مواقع القوّة للّه ، فإذا حدث ذلك للإنسان منهم
جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ
العنكبوت : 10 ، فكما يهرب الإنسان من عذاب اللّه فيترك كلّ شيء يؤدّي إليه ، لأنّه لا يستطيع تحمّله لخطورته وقسوته ، فإنّه يهرب من فتنة النّاس فيما تحتويه من ضغوط وتهاويل ، وفي ما تثيره من مشاكل في داخل حياته . ( 18 : 23 )
اوذوا
فَالَّذِينَ هاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأُوذُوا فِي