أي اطرحوه أرضا بعيدة مجهولة خالية من النّاس ، كي لا يستطيع أن يعود منها ولا يصل منها خبره .
وفي الثّانية إمّا للتّعظيم ، أي أرضا لا توصف خيراتها ، أو لكونها مجهولة على المخاطبين بدليل توصيفها بقوله :
لَمْ تَطَؤُها .
وقد تكلّمنا فيها في ( د ) .
المبحث السّادس : وجاءت مفردة دائما مع ورودها « 461 » مرّة ، منها « 178 » مرّة مردفة بالسّماوات و « 73 » مردفة بالسّماء و « 210 » مجرّدة عنهما . وليس السّرّ أنّه لم يجئ لها جمع في اللّغة ، أو جاء في غير الفصيح ، كما تقدّم في الأصول اللّغويّة ، بل الأمر كما يأتي :
أوّلا : إذا كانت الأرض مقرونة مع السّماوات ، فلأنّ الأرض - وهي الّتي نحن عليها - إحدى الكرات السّماويّة الّتي لا تحصى ، فهي بالنّسبة إليها واحدة ، وتلك كثيرة ، فلا تستحقّ الجمع .
وثانيا : إذا جاءت مع السّماء فقد اعتبر كلّ منهما واحدا ، فالأرض هي هذا البسيط والسّماء ماوراءها ، فالأرض والسّماء هنا بمنزلة الفوق والتّحت ، فلا تستحقّ الجمع أيضا .
وثالثا : إذا جاءت مجرّدة عن السّماء والسّماوات ، فإمّا أريد بها أرض خاصّة أو جميع الأرض ، وفي كلتا الحالتين لا مسوّغ لأن تجمع ، ومثالهما :
وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ فِي الْأَرْضِ
يونس : 83
إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ
العنكبوت : 56
فإنّ المراد بالأرض في الأولى أرض مصر ، وبالثّانية جميع الأرض .
ورابعا : هناك آيتان وردت ( الأرض ) فيهما بمعنى الجمع مفهوما من السّياق :
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ
الطّلاق : 12
وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ
الزّمر : 67
أمّا الأولى ففيها وجهان : الأوّل : - وعليه الأكثر - وهو المثليّة في العدد ، أي إنّه خلق سبع سماوات وسبع أرضين ، لأنّ النّصّ جاء بكلمة ( مثلهنّ ) لا بصيغة « سبع أرضين » لأنّ المماثلة - كما عن الطّوسيّ وغيره - في أصل العدد دون الكيفيّة ، لاختلاف كيفيّة خلق السّماوات عن الأرضين ، فهذا كما نقول - وهو الأبلغ - : لاقيت سبعا من العلماء ومثلهم من الطّلبة ، رعاية لشأن العلماء وتمييزا لهم عن الطّلبة . فالأرض أرض ولو كانت سبعا لا ينبغي عدّها سبعا في عرض السّماوات السّبع ، وعليه فالوجه في اختلاف التّعبير هو صغر الأرض ، في جنب السّماوات ، واختلاف خلقهما .
والثّاني : - عن الفخر الرّازيّ - أنّ المثليّة في الكيفيّة لا في العدد ، أي هي مثلهنّ في كونها طباقا لا في العدد ، وليس في القرآن ما يدلّ على أنّها سبع .
ثمّ الّذين جعلوا المثليّة في العدد اختلفوا في تعيين الأرضين السّبع ، فلاحظ النّصوص التّفسيريّة .
وأمّا الآية الثّانية - وربّما لها نظير - فإنّ السّياق مع كلمة ( جميعا ) يدلّان على وجود جمع للأرض ، لكن ليست لها دلالة صريحة على تعدّد الأرض ، بل تحتمل كلّ الأرض ، لا بعضها فقط ، ولعلّه الأظهر .