من أرضهم كان حيلة قديمة بين الأمم ، وقد توسّلوا بها في شأن موسى عليه السّلام ومحمّد صلّى اللّه عليه واله ، فنسبوا الأرض إلى أنفسهم ليبرّروا تهديدهم بإخراج الرّسل عن بلدتهم .
والثّانية : خطاب من فرعون لموسى متّهما إيّاه بأمرين : أنّه ساحر ، وأنّه يريد أن يخرجهم أي القوم جميعا من أرضهم بسحره . فنرى أن قول هذا انعكس في كلام السّحرة ، الّذين جمعهم لمقابلة موسى :
فَتَنازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوى * قالُوا إِنْ هذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أَنْ يُخْرِجاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِما وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى
طه : 62 ، 63 .
والثّالثة : خطاب موجّه من كفّار قريش إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه واله . وهو مشعر بأنّ فريقا من الكفّار إنّما لم يؤمنوا خوفا من أن يتخطّفوا من أرضهم ، وهذا الخوف نشأ من تهديد الرّؤساء والملأ إيّاهم أن لو آمنوا بمحمّد صلّى اللّه عليه واله لأخرجوهم من بلدتهم .
وثانيا : كلّها تدلّ على أنّ علاقة الأمم بأرضهم وخوفهم من أن يخرجوا منها كان عمدة ما تشبّث به الجبابرة وملؤهم ، لإثارة العاطفة القوميّة والوطنيّة بين الأمم ، وتحريضهم على الرّسل .
د - مضافة إلى ضمير الغائبين مرّة واحدة :
وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ
الأحزاب : 27
ويلاحظ أوّلا : أنّ ( ارضهم ) وردت مرّة واحدة بشأن أموال بني قريظة ؛ إذ منّ اللّه بها على المسلمين بعد غزوة الخندق ، وقد انتهت الآية بأحسن خاتمة
وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً
تأكيدا بأنّ اللّه قادر على توريثكم أيّ أرض ، فالّتي كانت « أرضهم » صارت « أرضكم » .
وثانيا : أنّها هي الآية الوحيدة الّتي نسبت فيها الأرض إلى القوم على لسان اللّه تعالى ، وأمّا في غيرها من الآيات فقد رأينا أنّ ( أرضكم ) و ( أرضنا ) في القرآن جاءت بلسان الكفّار دائما ، وصدر من اللّه مرّة ( أرضي ) وأضيفت إلى ( اللّه ) على لسان الملائكة مرّة ، وعلى لسان اللّه مرّة ، وعلى لسان النّبيّ صالح مرّتين . وهذا إن دلّ على شيء فيدلّ أنّ الأرض للّه يورثها من يشاء من عباده ، وليست ملكا للنّاس .
وثالثا : أنّ نسبة الأرض إلى بني قريظة من باب الاستخلاف ، لورودها على لسان اللّه تعالى ، وللتّفريق بينها وبين الأرض الّتي أورثها اللّه للمسلمين ، ولم يكونوا قد وطؤوها بأقدامهم ، وسيفتحها اللّه عليهم ، وهي خيبر . وقيل : هي مكّة ، أو أرض الرّوم أو فارس . أو كلّ أرض يفتحها اللّه للمسلمين إلى يوم القيامة على خلاف بينهم ، وخصّها الطّباطبائيّ بأرض خيبر ،
وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ
الحشر : 6 ، وهي أرض بني النّظير بحجّة أنّ ما قالوه من التّعميم خلاف سياق الآيتين ، فلاحظ .
ه - وجاءت نكرة مرّتين :
اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ
يوسف : 9
وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُها
الأحزاب : 27
ويلاحظ : أنّ التّنكير في الأولى للتّحقير والتّبعيد ،