وما بينهما مخلوق للّه ، وهذا ما يوقف عليه بعد أن يعهد الإنسان القرآن أمدا طويلا . ويؤيّده أنّه لا يوجد في القرآن التّعبير ب « ما فوقها » أو « ما تحتها » مع وجود « ما فيهما » .
وثالثا : لعلّ سرّ تقديم ( السّموات ) على ( الأرض ) في تلك الآيات هو الإشارة إلى سعة السّماوات وعظمها وصغر الأرض في جنبها . ثمّ الاهتمام بتوجيه الإنسان إلى الانسلاخ عن هذه الأرض والابتعاد عنها ، والالتفات إلى جهة العلوّ . ثمّ إنفاذ همّته وتوسيع فكره نحو الآفاق الرّحبة ، والإحاطة بها ، وكشف أسرارها أوّلا ، ثمّ لفت نظره إلى الأرض ثانيا . وبتعبير آخر ، الهدف من ذلك هو تفضيل الجانب المعنويّ على الجانب المادّيّ . لكنّ القرآن أتى بكلمة ( الأرض ) وأضافها إلى ( السّماوات ) حذرا من أن يهمل الإنسان الأرض الّتي فيها ومنها خلقه ، وإليها معاده ، وفيها معاشه .
ورابعا : جاءت السّماوات والأرض « 166 » مرّة مجرّدة - وهي أكثرها - و « 20 » مرّة مع قوله : ( وما بينهما ) ومرّة مع قوله :
وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ
الأعراف :
185 ، وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على أنّ المراد بالجميع - كما قلنا - هو العالم بأجمعه ، إلّا أنّ السّياق قد يقتضي تفصيلا وتوضيحا أكثر ، فأضيف إلى
السَّماواتُ وَالْأَرْضُ
قوله :
وَما بَيْنَهُما
أو
وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ
أو ما يجري مجراه ، فلنلاحظ نموذجا من الآيات :
1 -
أَ وَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ
الأعراف : 185
2 -
الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ
الفرقان : 59
3 -
وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ
ق : 38
4 -
ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ
الرّوم : 8
5 -
ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ *
الحجر : 85 ، الأحقاف : 3
6 -
وَتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما
الزّخرف : 85
فالآية « 1 » فيها ترغيب للنّاس أن ينظروا في واقع السّماوات والأرض ، وكلّ ما خلق اللّه من شيء ، فالنّظر يستدعي الاستيعاب لكلّ ما خلق اللّه واحدا بعد آخر .
وهناك وجه آخر في الآية ، وهو أنّ النّظر قسمان : نظر إلى ملكوت السّماوات والأرض إجمالا على النّحو الكلّيّ ، ونظر إلى ما فيهما تفصيلا . وصدر الآية يدعو إلى الأوّل ، وذيلها إلى الثّاني .
والآيتان « 2 و 3 » بصدد بيان أنّ السّماوات والأرض بما فيهما من المخلوقات إنّما خلقهما اللّه في ستّة أيّام فقط . وهذا أبلغ في تجسيم سعة قدرة اللّه ، وأوقع في النّفوس .
والآيتان « 4 و 5 » بصدد بيان أنّ اللّه لم يخلق شيئا إلّا بالحقّ ، وذلك يعلم بالنّظر إلى السّماوات والأرض إجمالا ، وإلى ما بينهما تفصيلا .
وكذلك الآية « 6 » بصدد إثبات عظمة ملك اللّه ، وأنّه مبارك كثير الخيرات ، فينبغي النّظر إليه إجمالا