يا أَرْضُ
وَيا سَماءُ ،
ثمّ أمرهما بما يؤمر به أهل التّمييز والعقل من قوله :
ابْلَعِي ماءَكِ
و
أَقْلِعِي
من الدّلالة على الاقتدار العظيم . وأنّ السّماوات والأرض وهذه الأجرام العظام منقادة لتكوينه ، فيها ما يشاء غير ممتنعة عليه ، كأنّها عقلاء مميّزون ، قد عرفوا عظمته وجلالته وثوابه وعقابه وقدرته على كلّ مقدور ، وتبيّنوا تحتّم طاعته عليهم وانقيادهم له ، وهم يهابونه ويفزعون من التّوقّف دون الامتثال له ، والنّزول على مشيئته على الفور من غير ريب ، فكما يرد عليهم أمره ، كان المأمور به مفعولا لا حبس ولا إبطاء .
( 2 : 271 )
مثله الفخر الرّازيّ . ( 17 : 234 )
السّكّاكيّ : النّظر في هذه الآية من أربع جهات :
من جهة علم البيان ، ومن جهة علم المعاني ، وهما مرجع البلاغة . ومن جهة الفصاحة المعنويّة ، ومن جهة الفصاحة اللّفظيّة .
أمّا النّظر فيها من جهة علم البيان - وهو النّظر فيما فيها من المجاز والاستعارة والكناية وما يتّصل بها - فنقول : إنّه عزّ سلطانه لمّا أراد أن يبيّن معنى أردنا أن نردّ ما انفجر من الأرض إلى بطنها ، فارتدّ ، وأن نقطع طوفان السّماء فانقطع ، وأن نغيض الماء النّازل من السّماء فغاض ، وأن نقضي أمر نوح - وهو إنجاز ما كنّا وعدنا من إغراق قومه - فقضي ، وأن نسوّي السّفينة على الجوديّ فاستوت ، وأبقينا الظّلمة غرقى ؛ بني الكلام على تشبيه المراد بالمأمور ، الّذي لا يتأتّى منه لكمال هيبته العصيان .
وتشبيه تكوين المراد بالأمر الجزم النّافذ في تكوّن المقصود ، تصويرا لاقتداره العظيم ، وأنّ السّماوات والأرض وهذه الأجرام العظام تابعة لإرادته إيجادا وإعداما ، ولمشيئته فيها تغييرا وتبديلا ، كأنّهما عقلاء مميّزون قد عرفوه حقّ معرفته ، وأحاطوا علما بوجوب الانقياد لأمره ، والإذعان لحكمه ، وتحتّم بذل المجهود عليهم في تحصيل مراده ، وتصوّروا مزيد اقتداره ، فعظمت مهابته في نفوسهم ، وضربت سرادقها في أفنية ضمائرهم ، فكما يلوح لهم إشارته كان المشار إليه مقدّما ، وكما يرد عليهم أمره كان المأمور به متمّما لا تلقى لإشارته بغير الإمضاء والانقياد ، ولا لأمره بغير الإذعان والامتثال .
ثمّ بنى على تشبيهه هذا نظم الكلام ، فقال جلّ وعلا : ( قيل ) على سبيل المجاز عن الإرادة الواقع بسببها قول القائل ، وجعل قرينة المجاز الخطاب للجماد وهو ( يا ارض ) ( ويا سماء ) ، ثمّ قال كما ترى : ( يا ارض ) ( ويا سماء ) مخاطبا لهما على سبيل الاستعارة للشّبه المذكور ، ثمّ استعار لغور الماء في الأرض « البلع » الّذي هو أعمال الجاذبة في المطعوم للشّبه بينهما ، وهو الذّهاب إلى مقرّ خفيّ ، ثمّ استعار الماء للغذاء استعارة بالكناية تشبيها له بالغذاء ، لتقوى الأرض بالماء في الإنبات للزّروع والأشجار تقوّي الآكل بالطّعام ، وجعل قرينة الاستعارة لفظة ( ابلعي ) لكونها موضوعة للاستعمال في الغذاء دون الماء ، ثمّ أمر على سبيل الاستعارة للشّبه المقدّم ذكره ، وخاطب في الأمر ترشّحا لاستعارة النّداء .
ثمّ قال : ( ماءك ) بإضافة الماء إلى الأرض على سبيل المجاز ، تشبيها لاتّصال الماء بالأرض باتّصال الملك