ثانيا : والقول الأوّل مبنيّ على ظاهر لفظ
( لِأَبِيهِ آزَرَ )
، ثمّ على القياس . ووجّه الفريق الثّاني رأيه - وهو خلاف ظاهر اللّفظ - بأنّ آباء النّبيّ محمّد صلّى اللّه عليه وآله كلّهم مؤمنون وليس فيهم مشرك ، وهو رأي الإماميّة دون غيرهم . وقالوا في لفظ « الأب » في قوله تعالى :
وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ
: بأنّه لا يقتضي بالضّرورة أن يكون أبا فعليّا له ؛ لأنّ العرب تطلق لفظ « الأب » على العمّ أيضا . ودليله قوله تعالى :
أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِلهاً واحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ
البقرة : 133 ، فعدّ إسماعيل من آباء يعقوب ، وهو عمّه .
وممّا يدعم هذا الرّأي أيضا هو أنّ أحدا من النّسّابين لم يذكر أبا لإبراهيم في عمود النّسب غير « تارخ » .
ثالثا : قد أسهب العلّامة الطّباطبائيّ في الميزان ( 7 :
161 ) في تأييد هذا الرّأي ، فاستقرأ الآيات الّتي وردت بخصوص حياة إبراهيم ، وعرض رأيا مفاده : أنّ إبراهيم كان يخاطب شخصا بلفظ الأبوّة اسمه « آزر » وكان يعبد الأصنام ، وقد أصرّ عليه أن يترك عبادتها ، ولكنّه أبي .
ثمّ أقدم أبوه على طرده وأمره بهجرانه ، فهجره إبراهيم ووعده أن يستغفر له ، فأنجز وعده بقوله :
وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ
الشّعراء : 86 ، ولكنّ دعوته لم تستجب ؛ لقوله تعالى :
وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ
التّوبة : 114 ، وكلّ ذلك وقع في أوائل عهده ، وقبل هجرته إلى الأرض المقدّسة ، وقبل دعائه بقوله :
رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ
الشّعراء :
83 .
ثمّ ذكر تعالى هجرته :
وَقالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ * رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ
الصّافّات : 99 ، 100 ، وقال :
فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنا نَبِيًّا
مريم : 49 .
ثمّ ذكر آخر دعائه بمكّة بعد ما وهب له الأولاد وبنى البيت وأسكن إسماعيل مكّة :
وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً . . .
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ . . .
رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ
إبراهيم : 35 ، 39 ، 41 ؛ حيث دعا من صميم قلبه لأبيه وأمّه اللّذين عبّر عنهما بقوله ( لوالدىّ ) ، والوالد لا يطلق إلّا على الأب الصّلبيّ ، وهذا غير أبيه الّذي كان من الضّالّين ، والّذي تبرّأ منه وخصّه بالاستغفار في الدّنيا فقط دون الآخرة عن موعدة وعدها إيّاه .
فآزر إذن ليس أباه الصّلبيّ بل أطلق عليه لفظ الأب ببعض الأوصاف والعناوين ، فضلا عن أنّ اللّغة تسوّغ إطلاق « الأب » على الجدّ والعمّ وزوج الأمّ ، وعلى كلّ من يتولّى أمر شخص وكلّ كبير مطاع .
رابعا : تعقيبا على ما أفاده - رحمه اللّه - نضيف أنّه ليس من دأب القرآن ذكر اسم إلّا لنكتة ، ولعلّ التّصريح باسم ( آزر ) هنا للإشارة إلى أنّه ليس أباه الحقيقيّ الّذي اتّفقوا على كونه « تارح » أو « تارخ » ولعلّ تخصيص سورة الأنعام بذكر اسم ( آزر ) دون سائر السّور هي كون الأنعام متقدّمة عليها في السّياق القرآنيّ ، بل إنّها متقدّمة