للذّمّ ، بأنّها متأخّرة في الرّتبة وضيعة المقدار .
وتعقّبه أبو حيّان بأنّ « آخر » ومؤنّثه « أخرى » لم يوضعا لذمّ ولا لمدح وإنّما يدلّان على معنى « غير » .
والحقّ أنّ ذلك باعتبار المفهوم الأصليّ ، وهي تدلّ على ذمّ السّابقتين أيضا .
قال في « الكشف » : هي اسم ذمّ يدلّ على وضاعة السّابقتين بوجه أيضا ، لأنّ « أخرى » تأنيث « آخر » تستدعي المشاركة مع السّابق ، فإذا أتي بها لقصد التّأخّر في الرّتبة عملا بمفهومها الأصليّ - إذ لا يمكن العمل بالمفهوم العرفيّ ، لأنّ السّابقتين ليستا ثالثة أيضا - استدعت المشاركة قضاء لحقّ التّفضيل ، وكأنّه قيل :
الأخرى في التّأخّر ، انتهى .
وهو حسن ، وذكر في نكتة ذمّ مناة بهذا الذّمّ أنّ الكفرة كانوا يزعمون أنّها أعظم الثّلاثة ، فأكذبهم اللّه تعالى بذلك .
وقيل : ( الأخرى ) صفة ل « العزّى » ، لأنّها ثانية ( اللّات ) ، والثّانية يقال لها : الأخرى ، وأخّرت لموافقة رؤوس الآي .
وقال الحسن بن المفضّل : في الكلام تقديم وتأخير ، والتّقدير : والعزّى الأخرى ومناة الثّالثة . ولعمري إنّه ليس بشيء . ( 27 : 56 )
3 -
وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرى .
النّجم : 47
الطّبريّ : وأنّ على ربّك يا محمّد أن يخلق هذين الزّوجين بعد مماتهم ، وبلاهم في قبورهم ، الخلق الآخر ، وذلك إعادتهم أحياء خلقا جديدا ، كما كانوا قبل مماتهم .
( 27 : 75 )
الطّوسيّ : هي البعثة يوم القيامة . ( 9 : 438 )
الطّبرسيّ : أي الخلق الثّاني للبعث يوم القيامة .
( 5 : 183 )
الفخر الرّازيّ : هي في قول أكثر المفسّرين إشارة إلى الحشر . والّذي ظهر لي - بعد طول التّفكّر والسّؤال من فضل اللّه تعالى الهداية فيه إلى الحقّ - أنّه يحتمل أن يكون المراد نفخ الرّوح الإنسانيّة فيه ؛ وذلك لأنّ النّفس الشّريفة لا الأمّارة تخالط الأجسام الكثيفة المظلمة ، وبها كرّم اللّه بني آدم ، وإليه الإشارة في قوله تعالى :
فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ
المؤمنون : 14 ، غير خلق النّطفة علقة ، والعلقة مضغة ، والمضغة عظاما ؛ وبهذا الخلق الآخر تميّز الإنسان عن أنواع الحيوانات ، وشارك الملك في الإدراكات ، فكما قال هنا لك :
أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ
بعد خلق النّطفة ، قال هاهنا :
وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرى ؛
فجعل نفخ الرّوح نشأة أخرى كما جعله هنا لك إنشاء آخر .
والّذي أوجب القول بهذا هو أنّ قوله تعالى :
وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى
النّجم : 42 ، عند الأكثرين لبيان الإعادة ، وقوله تعالى :
ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى
النّجم : 41 ، كذلك فيكون ذكر ( النّشأة الأخرى ) إعادة ، [ أي إعادة لقوله : خلق الذّكر والأنثى ] ولأنّه تعالى قال بعد هذا :
وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَأَقْنى
النّجم : 48 ، وهذا من أحوال الدّنيا . وعلى ما ذكرنا يكون التّرتيب في غاية الحسن ، فإنّه تعالى يقول :
خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى
النّجم : 45 ، ونفخ فيهما الرّوح الإنسانيّة