والشّدّة حرّا أو ملوحة ، وتبعه بعضهم . ولو قيل بأصالة معنى الشّدة لوجودها مع جميع العناصر لما كان بعيدا عن الصّواب ، فإنّ الحفيف - وهو صوت الشّجر أو العدو أو النّار المشتعلة - من شدّة الحركة ، كما أنّ السّرعة والعدو هما شدّة الحركة نفسها ، ويولد منها الاضطراب ، وفي النّار التّلهّب والاضطرام ، وفي الماء شدّة الملوحة والمرارة .
ويدعمه قول ابن دريد : « أجّة كلّ شيء أعظمه وأشدّه » ، وقول من ذهب إلى وجود اشتقاق أكبر لفظا بين « أجّ ، وعجّ ، وضجّ » لاشتراكها في أصل المعنى وهو الشّدّة .
الاستعمال القرآنيّ
وفيه بحوث :
الأوّل - لم يأت منه في القرآن سوى ( أجاج ) مفردا منكّرا في ثلاث سور مكّيّة :
1 :
وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً
الفرقان : 53
2 :
وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها
فاطر : 12
3 :
أَ فَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَ أَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ * لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً فَلَوْ لا تَشْكُرُونَ
الواقعة 68 - 70
الثّاني - ( أجاج ) في آيتي « الفرقان وفاطر » وصف للبحر ، وفي « الواقعة » وصف للماء ، وهو الّذي تكرّر في النّصوص . ومن طبع البحر الحركة والهيجان والاضطراب ثمّ الكثافة أحيانا ، ولكن وصف البحر بذلك وصف بحال المتعلّق ، أي ماؤه كذا . وفيه نوع من التّأكيد في التّوصيف بالملح الأجاج ، أي لشدّتهما كأنّ البحر صار كذلك .
وبذلك تفترق آية الواقعة عنهما ؛ حيث لا يفهم منها سوى عنصر شدّة الملوحة والمرارة دون غيرها ، إلّا أن يستشعر ذلك من السّياق ببيان أنّ الآية تصف ماء المطر الّذي لا ينفكّ طبعا عن حركة ، سواء في منشئه أي الرّياح الّتي تثير السّحاب ، أو في نزوله ثمّ انحداره من سفوح الجبال إلى بطون الأودية ، كما لا ينفكّ المطر عن الحفيف أيضا .
والأجاج في الآية مقابل له ، وبهذا الاعتبار يحمل عنصر الحركة وغيرها ، ولكن ليس بذلك الوضوح .
ولك أن تستظهر هذا الفرق الخفيّ في ( أجاج ) بين السّور الثّلاث بأنّه جاء في « الواقعة » منصوبا ، وفي « الفرقان وفاطر » مضموما ، إشعارا إلى اشتراكهما في أمر ، وانفراد « الواقعة » عنهما في ذلك الأمر .
هذا ، مع تفاوت بين نفس الآيتين ؛ حيث عقّبت آية « فاطر » وصفي
( عَذْبٌ فُراتٌ )
بوصف
( سائِغٌ شَرابُهُ )
تفسيرا للوصفين ، دون آية الفرقان . ويناظره قوله في آية « الواقعة » :
الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ
حيث جاء مقابلا ل « أجاجا » أي إنّه صالح للشّرب ، بخلاف الأجاج .
الثّالث - وقابل القرآن في الآيتين بين
( هذا عَذْبٌ