دُعُوا
البقرة : 282
وثانيا : يلاحظ أنّ مادّة « أبى » حينما أسندت إلى « اللّه » تعني أنّه تعالى يأبى كلّ شيء سوى إتمام نوره ، وأنّه يريد تأكيد هذا الأمر وكأنّه لا شأن له إلّا هذا ، ونوره دينه وهدايته للخلق . وحيث أسندت إلى إبليس تعني أنّه يأبى الخضوع للّه في أمر توحيده ودينه كأنّه لا شأن له إلّا هذا ، وأنّه مصرّ على ذلك إصرارا لا رجعة فيه أبدا ، وصدر منه هذا العمل استكبارا ، وجرّ إليه الكفر والرّجم واللّعن كما جرّ إليه العداوة لآدم وزوجه .
وعند إسنادها إلى الكفّار ونحوهم تعني عزمهم الرّاسخ على رفض القرآن والآيات والمعجزات والدّين ، وجرّت إليهم الكفر والتّكذيب والفسق والظّلم ونحوها .
وحينما جاءت في الإمساك عن الخير جلبت إليهم النّدم والتّوبيخ فقط دون تلك الخصال .
وثالثا : سياق الآيات كلّها ذمّ وتنديد مساوقا للمادّة ، حتّى فيما نسب إلى اللّه من إبائه إلّا عن إتمام نوره فإنّه وإن كان مدحا له تعالى إلّا أنّه جاء رغما للكافرين ذمّا لهم .
ورابعا : وجاء التّعبير بلفظ « إبليس » دون « الشّيطان » في موضع إبائه عن السّجود لآدم ، وهذا ربّما يكشف عن العلاقة بين المادّتين ، فلفظ « إبليس » من اللّبس وهو يلازم الخفاء والسّرّ ، والإباء كذلك ، ولهذا عقّبها في القرآن بلفظ الكفور ، وهو بمعنى إخفاء الحقّ وإنكاره ، لكنّ المراد من « إبليس » اسم علم دون اسم جنس كالشّيطان كما تقدّم في « إبليس » ، فليس بينهما علاقة من هذه النّاحية خصوصا أنّ « إبليس » أعجميّ عند جمّ غفير منهم ، وليس بعربيّ .
وخامسا : وقابل في آية التّوبة بين الرّضا بالأفواه وإباء القلوب ، وهذا هو معنى النّفاق بعينه ، وفيه دلالة على أنّ « الإباء » هو الحالة النّابعة من أعماق القلوب والمستولية على كلّ الجوارح والعواطف والأحاسيس .