تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 197

مساهمون:

ص١٩٧
إليه . فأمّا « أبى » فيتجاوز ذلك ليجعل المتّصف به متلبّسا تلبّسا كاملا ظاهرا وباطنا ، إن كان له ذلك ؛ بحيث إنّه يترك الشّيء ويمتنع عنه بقوّة وإرادة وقناعة كاملة شاملة ، فيتضمّن « الإباء » قوّة في اتّخاذ الموقف لا يتضمّنها التّرك والامتناع . ولذلك استعملها القرآن الكريم - كما سيأتي - في الموارد الّتي يحتاج اتّخاذ القرار فيها إلى قوّة كبيرة ، من مثل إباء إبليس السّجود لآدم ، وإباء أكثر النّاس إلّا الكفر ، وإباء حمل الأمانة من قبل السّماوات والأرض ، وإباء قلوب المنافقين الإيمان ، وإباء اللّه تعالى إلّا أن يتمّ نوره ولو كره الكافرون . فالسّياق فيها جميعا سياق تحدّ ، سياق دالّ على أنّ المتحدّي لم يستطع أن يصل إلى ما وصل إليه إلّا بقوّة هائلة يمتلكها أو يتوهّم أنّه يمتلكها ، ولذا ارتبط ب ( استكبر ) مرّة ، وب ( إلّا ) المفيدة للحصر والقصر أخرى ، وب « التّكذيب » ثالثة ، وهكذا في المواضع الأخرى . وعلى هذا تتكوّن عندنا معادلة دلاليّة لغويّة هي : أبى - ترك + امتنع + رفض + قوّة ذاتيّة تؤدّي إلى اتّخاذ الموقف + قناعة كاملة تتغلغل في المتّخذ للموقف .

الاستعمال القرآنيّ

جاءت ماضيا 9 مرّات ومضارعا مرّتين ونهيا مرّتين أيضا : ويلاحظ أوّلا أنّه قد جاء « أبى » ومشتقّاته في القرآن مسندا إلى « اللّه » مرّة واحدة وإلى غيره « 12 » مرّة : مسندا إلى اللّه :
وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ
التّوبة : 32 مسندا إلى إبليس « 3 » مرّات كلّها في سجوده لآدم :
فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى * وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ
البقرة : 34
فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى * فَقُلْنا يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ
طه : 116 ، 117
إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ * قالَ يا إِبْلِيسُ ما لَكَ . . .
الحجر : 31 ، 32 مسندا إلى الكافرين والظّالمين والفاسقين والمنافقين « 5 » مرّات :
وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً
الإسراء : 89
وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُوراً
الإسراء : 99
وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً
الفرقان : 50
وَلَقَدْ أَرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها فَكَذَّبَ وَأَبى
طه : 56
يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ وَتَأْبى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ
التّوبة : 8 مسندا إلى من يمسك الخير والإحسان عن النّاس « 3 » مرّات : عن الضّيافة :
حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما
الكهف : 77 عن الكتابة للمدين :
وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ
البقرة : 282 عن الشّهادة له :
وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 197 | مجمع البحوث الاسلامية