كبيران ثابتان في مكان ، والكأس هي الّتي تدار على الضّيوف . وهذا مردود بقوله تعالى :
يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ * بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ
الواقعة : 17 ، 18 ، ولكنّ المعنى المذكور ورد في قوله :
وَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ
الغاشية : 14 ، ممّا يفيد أنّ الأكواب تارة يطاف بها عليهم من قبل الولدان المخلّدين الّذين يسقونهم بالكأس من الأكواب والأباريق ، وتارة أخرى توضع أمامهم ليكونوا هم المباشرين في الصّبّ حيث ما يشتهون . وكيف كان فالجمع بين الثّلاثة في الآية دليل على اختلافها صورة وأثرا .
6 - وجاءت الألفاظ الثّلاثة نكرة دائما وتفخيما إشارة إلى أنّها لا يدرك كنهها ، ولا مثيل لها في مجالس أهل الدّنيا مهما كانوا من التّرف والشّرف ؛ فهي كسائر ما في الجنّة تكون ممّا لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على بال بشر .
7 - وهذا المعنى بعينه يتجلّى في مجيء ( ولدان ) و ( غلمان ) الّذين يطوفون على أهل الجنّة بلفظ النّكرة أيضا في القرآن :
وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً
الدّهر : 19 .
يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ
الواقعة 17 ، 18 .
وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ
الطّور : 24 .
8 - وجاءت ( أكواب ) في آية الواقعة : 18 ، مع ( أباريق ) و ( كأس ) ، وفي الدّهر : 15 ، مع ( آنية من فضة ) ، وفي الزّخرف : 71 ، مع ( صحاف من ذهب ) ، وفي الغاشية : 14 ، ( موضوعة ) بلا طواف . كما أنّ الكأس جاءت بأوصاف جميلة يرغب فيها كلّ من يراها ويسمع بها . وفي كلّ ذلك لطف ، وكذا في اختلاف التّعابير والأساليب تنوّع وتفنّن وحلاوة لا تخفى على اللّبيب ، ويتذوّقها الأديب .
9 - والآيات المذكورة مبنيّة على فكرة الطّواف ؛ حيث الولدان يطوفون كأنّهم الطّيف السّاري ، ولفظة ( عليهم ) تفيد وقوف ( الولدان ) وجلوس أهل الجنّة ، بل وفي انتقاء الألفاظ أيضا ما بين عربيّة أصيلة كالطّواف والمعين الدّالّان على الجريان والدّوران والانتقال ، وما بين غير عربيّة كالألفاظ الثّلاثة ؛ فكأنّ النّصّ أيضا قد ( طاف ) في أرجاء الدّنيا ، وانتقى ألفاظه المكوّنة له ، وهذا من ضروب التّماسك اللّفظيّ والدّلاليّ في الصّياغة القرآنيّة المعجزة .
10 - وآية الواقعة هي الآية الوحيدة الّتي جمعت بين الألفاظ الثّلاثة ، كما أنّها الوحيدة في التّصريح بأنّ
( وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ )
يطوفون عليهم بهذه الأواني ، أمّا سائر الآيات ففي بعضها حذف الطّواف ، وفي بعض آخر حذف الفاعل ( يطاف عليهم ) ، وفي أخرى ذكر اللّفظان دون الأواني ( الدّهر : 15 ، والطّور : 24 ) . وفي كلّ ذلك تنويع وتفخيم وتمثيل لحياة أهل الجنّة . رزقنا اللّه إيّاها .
11 - وإذا صحّ أنّ ( أكوابا ) أوسع وأكبر من ( أباريق ) كنسبتها مع ( كأس ) ، فالسّرّ في هذا التّركيب يكاد يكون واضحا ؛ حيث قدّم الأكبر على الأصغر ، مع ما فيه من التّوالي في الجرس « أفعال ، أفاعيل ، فعل » باختلاف الحركات وما فيه من صعود ونزول في الصّوت ، ففيه أيضا ضرب من التّماسك اللّفظيّ والدّلاليّ .