سبب النزول :
لما نزلت الآيات السابقة في التحذير من القعود عن الهجرة ؛ خرج ضمرة بن جندب مهاجرا إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فمات في الطريق قبل أن يصل إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ؛ فنزلت الآية :
وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ . . .
أورده ابن كثير عن ابن عباس .
وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً وَسَعَةً . .
أي : ومن يعمد إلى مثل تلك الهجرة - في سبيل إعلاء كلمة اللّه ، والمحافظة على دينه - يجد في الأرض متّسعا لهجرته ، ورحابا فسيحة ، يستطيع التنقل فيها ، والتحول إليها ، والاستمتاع بخيراتها ، واتخاذ الموقع المناسب لضرب الأعداء والنجاة من شرهم .
وفي ذلك ما فيه الإهانة لهم ، وإرغام أنوفهم . كما يجد - إلى جانب ذلك - سعة في الرزق ، وبسطة في العيش . . . فلا عذر لأحد من الأقوياء في القعود عن الهجرة والبقاء في دار الكفر : مكتوم الأنفاس ، متعرضا لأذى الكفار . قال تعالى :
يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ
.
( العنكبوت : 56 ) .
وليست الهجرة - بصفة عامة - للهرب من العدو ؛ وإنما هي ضرب من الجهاد ؛ للقضاء على سيطرة الأعداء ، وتحول من موقع إلى موقع آخر ، يمكن منه ضرب العدو ، وإلحاق الأذى والذل به ، والتمكن من إقامة شعائر الدين في حرية وطلاقة .
فهي في الأصل : الانتقال من مكان إلى مكان . والمراد بها : الهجرة من أرض الكفر إلى أي مكان يأمن فيه الإنسان على نفسه وماله ودينه .
وقد هاجر بعض المسلمين - في أول الإسلام - إلى الحبشة .
ثم كانت الهجرة بعد ذلك من مكة إلى المدينة . وكانت واجبة قبل فتح مكة . وهي التي نزلت فيها آيات الترغيب والترهيب .
ولما تم فتح مكة ، واستقر الأمر فيها للمسلمين ، وأعز اللّه فيه الإسلام ، لم تعد هناك حاجة إلى الهجرة من مكة . ولهذا قال صلى اللّه عليه وسلم : « لا هجرة بعد الفتح ، ولكن جهاد ونية » 80 .
وتشمل الهجرة بالمعنى العام : الهجرة في طلب العلم ، والهجرة في طلب الرزق ، والهجرة في نشر الدعوة الإسلامية في البلاد التي لم تصلها أو التي هي في حاجة إليها . وكلها مما رغب اللّه فيه .
وقد تطلق الهجرة على هجر الذنوب والمعاصي ، كما في قول الرسول صلى اللّه عليه وسلم : « والمهاجر من هجر ما نهى اللّه عنه » 81 .