قال : فخرجوا من مكة فلحقهم المشركون ، فأعطوهم الفتنة 74 فنزلت فيهم :
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَ وَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِما فِي صُدُورِ الْعالَمِينَ
. ( العنكبوت : 10 ) .
فكتب المسلمون إليهم بذلك فحزنوا وأيسوا من كل خير ، ثم نزلت فيهم :
ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ
. ( النحل : 110 ) ، فكتبوا إليهم بذلك « إن اللّه قد جعل لكم مخرجا » فخرجوا فأدركهم المشركون فقاتلوهم حتى نجا من نجا وقتل من قتل 75 .
إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ . .
أي : تتوفاهم .
ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ . .
أي : في حال ظلمهم لأنفسهم حيث أسلموا وآثروا البقاء بين ظهراني المشركين في دار الكفر ، وتحملوا الذل والهوان والقهر - وهم قادرون على التخلص مما هم فيه - من كبت وإذلال - إلى بلد يأمنون فيه على دينهم وأموالهم وأنفسهم .
إن هؤلاء حين تقبض الملائكة أرواحهم ، أي : ملك الموت وأعوانه .
قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ
. أي : في أي شئ كنتم من أمر دينكم الذي يأمركم بالهجرة ، والمراد : لم مكثتم هنا وتركتم الهجرة ،
قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ
. قالوا : معتذرين في وقت لا ينفع فيه الاعتذار : كنا نعيش مقهورين تحت أيدي الكفار ؛ لا نقدر على الخروج من مكة ، ولا الذهاب في الأرض .
قالُوا أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها . .
أي : إن عذركم عن ذلك التقصير غير مقبول ، حيث كان في إمكانكم الهجرة إلى الحبشة أو إلى المدينة ، واللحاق بإخوانكم المهاجرين ، والانضمام إلى صفوفهم ، ليزدادوا بكم قوة ومنعة .
من تفسير الزمخشري :
وفي هذه الآية دليل على أن الرجل إذا كان في بلد لا يتمكن فيه من إقامة أمر دينه كما يجب لبعض الأسباب ، والعوائق عن إقامة الدين ، أو علم أنه في غير بلده أقوم بحق اللّه ، وأدوم على العبادة ، حقت عليه المهاجرة .
اللهم ، إن كنت تعلم أن هجرتي إليك لم تكن إلا للفرار بديني ؛ فاجعلها سببا في خاتمة الخير ، ودرك المرجو من فضلك ، والمبتغى من رحمتك ، وصل جواري لك ، بعكوفى عند بيتك ، بجوارك في دار كرامتك يا واسع المغفرة 76 .
فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً . .
أي : فجزاء هؤلاء الذين تخلفوا عن الهجرة أن يكون مسكنهم جهنم ؛ لتركهم الفريضة المحتومة - فقد كانت الهجرة واجبة في صدر الإسلام - أو لنفاقهم وكفرهم ، ونصرتهم أعداء اللّه على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم 77 .