فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا
. والخطاب في الآية عام لجميع المؤمنين .
والمعنى : لم تختلفون في القول بكفر هؤلاء المنافقين ، وتفترقون في هذا الأمر فرقتين ، وقد ردّهم اللّه إلى الكفر ، كما كانوا بسبب ما اقترفوه من الاحتيال على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وخديعته ، أو معاونة المشركين في إيذاء المسلمين بمكة ، حيث بيّتوا الشر وأضمروا الردّة ؟
ليس لكم أن تختلفوا في شأنهم . . بل كان يجب عليكم - أيها المؤمنون - أن تتفقوا على القطع بكفرهم ؛ لظهور أدلة هذا الكفر وذلك النفاق .
لقد يسر اللّه لهؤلاء المنافقين طريق الإيمان الصادق ، ولكنهم تنكبوا طريق الصواب ، واختاروا الضلالة على الهدى ؛ فسلبهم اللّه معونته وتوفيقه ، وردّهم إلى الكفر بسبب ما عملوا .
وكلمة
أَرْكَسَهُمْ
فيها أربعة أقوال :
1 - ردّهم . 2 - ركست الشئ وأركسته : لغتان أي : نكسهم وردهم في كفرهم .
3 - أوقعهم . 4 - أهلكهم 40 .
فأما الذي كسبوا فهو كفرهم وارتدادهم .
أَ تُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ
. أي : ترشدوه إلى الثواب بأن يحكم لهم بحكم المؤمنين ؛ لأن قوما من المؤمنين قالوا : إخواننا وتكلموا بكلمتنا ، فبين القرآن خطأ هذا الاتجاه بعد أن ظهر للعيان نفاقهم .
وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا . . .
فإنما يضلّ اللّه الضالين ، أي : يمدّ لهم في الضلالة حين يتجهون هم بجهدهم ونيتهم إلى الضلالة ، وعندئذ تغلق في وجوههم سبل الهداية ، بما بعدوا عنها وسلكوا غير طريقها ، ونبذوا العون والهدى ، وتنكروا لمعالم الطريق 41 .
89 -
وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ . . .
الآية
يفصح القرآن عن حقيقة مشاعر هؤلاء المنافقين ، فهم لم يكتفوا بكفرهم ، ورجوعهم إلى الضلال ، بل يتمنون أن يقضوا على معالم الحق والإيمان .
والقرآن يلمس مشاعر المؤمنين لمسة قوية ، مفزع لهم وهو يقول لهم :
وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً . . .
فقد كانوا حديثي عهد بنبذ الكفر ، وتذوّق حلاوة الإيمان ، فمن حاول أن يردّهم إلى وهدة الضلال ، وظلام الجاهلية ؛ وجب أن ينفروا منه ، وأن يبعدوا عنه .
فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ . . .
أي : إذا كان الأمر كما علمتم ؛ فلا تتخذوا من هؤلاء المنافقين أولياء وأصدقاء ، حتى يهاجروا من مكة إلى المدينة ؛ إخلاصا للّه ، وطلبا لمرضاته .