تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 873

مساهمون:

ص٨٧٣
ورد في الآيتين السابقتين ذكر القرآن طائفة من المنافقين تبطئ عن الجهاد ، وتثبّط المؤمنين عنه ، فإذا انهزم المؤمنون ؛ فرحوا وشمتوا وإذا انتصر المؤمنون ندموا على تخلفهم عن القتال ؛ لحرمانهم من الغنائم . وفي هذه الآيات يأمر اللّه المؤمنين بالقتال في سبيله ، والأمر موجه إلى من باعوا الحياة الدنيا ؛ طلبا لثواب الآخرة . وجادوا بأنفسهم وأموالهم في سبيل إعلاء كلمة اللّه ؛ وتقدير الكلام : إذا تباطأ المنافقون عن الجهاد ؛ فليسرع إليه المؤمنون الصادقون . جاء في ظلال القرآن : « إن المسلم لا يقاتل لمجد شخصي ، ولا لمجد بيت ، ولا لمجد طبقة ، ولا لمجد دولة ، ولا لمجد أمة ، ولا لمجد جنس ، إنما يقاتل في سبيل اللّه ؛ لإعلاء كلمة اللّه في الأرض ، ولتمكين منهجه من تصريف الحياة » 14 . وحين يخرج المسلم ليقاتل في سبيل اللّه بقصد إعلاء كلمة اللّه ، وتمكين منهجه في الحياة ، ثم يقتل ؛ يكون شهيدا ، فينال مقام الشهداء عند اللّه ، فإذا انتصر على العدوّ كان له ثمرة النصر ، وجزاؤه الغنيمة في الدنيا ، والأجر العظيم في الآخرة .
وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً
. والمقاتل في سبيل اللّه بين غايتين : الاستشهاد في سبيل الله ، أو النصر على الأعداء ، ولا ذكر للهزيمة في الآية الكريمة ؛ لأن المؤمن المجاهد لا يرتدّ على عقبيه ، ولا يستسلم للهزيمة بأي حال . جاء في تفسير القرطبي في هذه الآية ثلاث مسائل منها : المسألة الثالثة : ظاهر الآية يقتضى التسوية بين من قتل شهيدا أو انقلب غانما ، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « تضمن اللّه لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا جهاد في سبيلي ، وإيمان بي ، وتصديق برسلي ، فهو على ضامن أن أدخله الجنة ، أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه نائلا ما نال من أجر وغنيمة أو أجر إن لم يغنم » 15 . 75 -
وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً
. يستنهض القرآن همم المسلمين في المدينة ؛ للدفاع عن المستضعفين المستذلين بمكة ، الذين يتعرضون لأنواع العذاب والنكال ، وهم ضعفاء لا يستطيعون مقاومة المعتدين .