تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 1067

مساهمون:

ص١٠٦٧
وفي الأثر : الإنسان بنيان اللّه ملعون من هدم بنيان اللّه . والآية تصور صراع النفس أمام هذه الحادثة ، فالحسد والعدوان يدعوانه إلى القتل ، ولكن الضمير ودواعي الخير يحذرانه من القتل ، بيد أن النفس الأمارة بالسوء يسرت له العدوان ، وهونته عليه حتى اقترف جريمة القتل . قال القرطبي : قوله :
فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ
. أي : سوّلت وسهلت نفسه له الأمر وشجعته وصورت له أن قتل أخيه طوع سهل ، يقال : طاع أي : سهل وانقاد « وطوعه فلان له أي : سهله » 70 .
فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ
. لقد خسر الدنيا بقتل أخيه وشقيقه الذي هو رحم يجب أن يصلها ، وخسر الآخرة ؛ لأن القاتل عمدا يصلى جهنم يتلظى بعذابها . قال الآلوسي : أخرج الشيخان وغيرهما عن ابن مسعود رضى اللّه عنه . قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لا تقتل نفس ظلما ؛ إلا كان على ابن آدم الأول كفل في دمها ؛ لأنه أوّل من سنّ القتل » 71 وأخرج ابن جرير والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عمر - رضى اللّه عنه - قال : إنا لنجد ابن آدم القاتل ، يقاسم أهل النار العذاب ، عليه شطر عذابهم 72 . 31 -
فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ . . .
تحيّر القاتل بعد أن ارتكب جريمته ، ورأى جثة أخيه أمامه في العراء ، معرضة لنهش السباع والطيور ، ولم يكن الدفن معروفا للبشرية قبل هذه الحادثة ، التي راح ضحيتها - لأول مرة - إنسان كان مملوءا حيوية ونشاطا ، فأصبح جثة هامدة ، يتسرب إليها العفن ، ويسرع إليها النتن ويؤذى ريحها الأنوف .
فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ
. أي : يحفر وينبش بمنقاره ورجليه متعمقا في الأرض .
لِيُرِيَهُ
. أي : ليعلم ذلك القاتل ويعرفه .
كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ
. كيف يستر في التراب جسم أخيه بعد أن فارقته الحياة . قال القرطبي : قال مجاهد : بعث الله غرابين فاقتتلا حتى قتل أحدهما الآخر ، ثم حفر فدفنه ؛ فتعلم قابيل ذلك من الغراب ، وكان ابن آدم هذا أول من قتل 73 .