تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 1068

مساهمون:

ص١٠٦٨
قالَ يا وَيْلَتى أَ عَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي
. أي : فنادى قابيل متحسرا جزعا يا ويلتا ، وكلمة : يا ويلتا : أصلها يا ويلتي ، وهي كلمة جزع وتحسّر تستعمل عند وقوع المصيبة العظيمة ، كأن المتحسر ينادى ويلته ويطلب حضورها بعد تنزيلها منزلة من ينادى . أي : قال القاتل لأخيه ظلما : يا فضيحتى ، ويلتي أقبلي ، فهذا وقتك ؛ لأنى قد نزلت بي أسبابك . والتفت قابيل للغراب قال : أضعفت عن الحيلة التي تجعلني مثل هذا الغراب ، فأستر جسد أخي في التراب كما دفن الغراب بمنقاره ورجليه في الأرض ما أراد دفنه .
فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ
. أي : ندم قابيل على قتل أخيه بعد ما رأى وعاش في آثار جريمته ، قال صاحب المنار : والندم الذي ندمه قابيل ، هو ما يعرض لكل إنسان عقب ما يصدر من الخطأ في فعل فعله ، إذا ظهر له أنّ فعله كان شرّا له لا خيرا ، وقد يكون الندم توبة إذا كان سببه الخوف من اللّه ، والتألم من تعدّى حدوده ، وهذا هو المراد بحديث « الندم توبة » 74 . وأما الندم الطبيعي الذي أشرنا إليه ، فلا يعدّ وحده توبة 75 . 32 -
مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً . . .
الآية
مِنْ أَجْلِ ذلِكَ
. أي : من أجل المذكور في تضاعف قصة بني آدم ، أو من أجل فظاعة القتل ظلما وسوء آثاره في الدنيا والآخرة قضينا وأوجبنا على بني إسرائيل في كتابهم
أَنَّهُ
أي : الحال والشأن
مَنْ قَتَلَ نَفْساً
. واحدة من النفوس الإنسانية
بِغَيْرِ نَفْسٍ
. توجب القصاص . أو بغير فساد في الأرض يوجب القصاص كالردة وزنى المحصن ، وقيل : الفساد في الأرض : قطع الطريق ، وسفك الدماء ، وهتك الحرم ، ونهب الأموال ، والبغى على عباد اللّه بغير حق ، وهدم البنيان وتغوير الأنهار .
فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً
. إذ النفس الواحدة تمثل النوع الإنسانى كله ، فالجرأة على قتل نفس بغير حق عدوان على الجنس الآدمىّ كله ، وعن مجاهد قال : المعنى : أن الذي يقتل النفس المؤمنة متعمدا جعل اللّه جزاءه جهنم ، وغضب عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما ، فلو قتل الناس جميعا لم يزد على هذا .
وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً
. أي : ومن أحيا نفسا ليس عليها قصاص ولا حدّ بأن أنقذها
تفسير القرآن الكريم — صفحة 1068 | عبد الله محمود شحاتة