موسى إذ أمرهم بدخول الأرض المقدسة وقتال الجبارين فعاقبهم الله بالتيه في الأرض ، وأنهم كانوا أشد الناس عداوة للمؤمنين فعاقبهم الله على ذلك كله باللعن على ألسنة الرسل ، وبالغضب والمسخ ، وهذه الصفات التي غلبت عليهم في زمن البعثة وقبل زمن البعثة تثبتها تواريخهم وتواريخ غيرهم ، ومن المعلوم أنها لم تكن عامة فيهم ولا شاملة لجميع أفرادهم ولذلك قال سبحانه :
مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ
. ( المائدة : 66 )
11 - النصارى :
مما جاء في النصارى خاصة أنهم نسوا - كاليهود - حظا مما ذكروا به ، وأنهم قالوا : إن الله هو المسيح ابن مريم وقالوا إن الله ثالث ثلاثة وقد رد الله عليهم هذه العقيدة بالأدلة العقلية وببراءة المسيح منها ومن منحليها يوم القيامة ، وبين لهم حقيقة المسيح وأنه عبد الله ورسوله وروح منه .
ولقد أخذ الله الميثاق عليهم أن يلتزموا بتعاليم رسولهم ، ولكنهم نسوا جانبا من تعاليمه وأهملوا جانب التوحيد وهو أساس العقيدة وعند هذا الانحراف كان الخلاف بين طوائف النصارى التي لا تكاد تعد . إذ أن هناك فرقا كثيرة صغيرة داخل كل فرقة من الفرق المعلومة الكبيرة : الأرثوذكس والكاثوليك والبروتستانت والمارون ؛ اليوم ومن قبل اليعقوبيون والملكانيون والنساطرة .
وقد اشتدت العداوة بين هذه الفرق . وشهدت المسيحية آثارها منذ القرن الأول للميلاد ، وكانت على أشدها بين الملكانية واليعاقبة والنساطرة ، وهي اليوم على أشدها بين الفرق القائمة . فلا يكاد الإنسان يتصور العداء الذي بين الكاثوليك والبروتستانت أو بينهم وبين الأرثوذكس أو بين الموازنة والبروتستانت أو سواهم قال تعالى :
وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ
. ( المائدة : 14 )
وقد بينت سورة المائدة أن اليهود أشد الناس عداوة للمؤمنين ؛ وأن النصارى أقرب الناس مودة إليهم :
ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ
. ( المائدة : 82 )
القرآن من عند الله
جملة الآيات الواردة في أهل الكتاب تشهد لنفسها أنها من عند الله تعالى لا من عند محمد بن عبد الله العربي الأمى الذي لم يقرأ شيئا من الكتب ، على أن تلك الآيات ليست موافقة لها ولهم موافقة الناقل للمنقول عنه ، وإنما هي فوق ذلك تحكم لهم وعليهم وفيهم وفي كتبهم حكم المهيمن السميع العليم .