تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 1015

مساهمون:

ص١٠١٥

المائدة

تكلم العلماء عن المائدة التي سألها الحواريون عيسى ، هل نزلت أم لا ؟ وجمهور المفسرين على أنها نزلت بالفعل . وقد تعددت الروايات بعد ذلك عن أوصافها وما احتوت عليه من ألوان الطعام والشراب ، وحسبك أن ترجع إلى أي تفسير من كتب التفاسير المتداولة ؛ لتقرأ في أوصافها وأوصاف ما وضع عليه الشئ الكثير ، مما يجعلك ترجح أن كثيرا مما ورد في أوصاف هذه المائدة من افتراء المفترين أو أساطير الإسرائليين . وألفاظ القرآن الصريحة تفيد : أن عيسى طلب من ربه أن ينزل مائدة من السماء تكون كافية لقومه جميعا وتكون عيدا وسعادة لأول قومه وآخرهم ، والمائدة : طعام ورزق ، وكل طعام ورزق إنما هو من عند الله ، وقد وعد الله أن ينزلها عليهم . ولم يذكر القرآن إن كانت بمفهومها الضيق كما طلبها الحواريون ، أو بمفهومها المطلق كما قد يريده الله ويفهمه عيسى ويلهمه الحواريون فيكون حينئذ وعدا بنعمة من الله عليهم طعاما ورزقا يشمل أولهم وآخرهم وترجمة للمفهوم الضيق الذي أرادوه للمائدة بمفهوم أوسع قد يشمل الطعام وسواه من الرزق ؛ ليكون ذلك ابتلاء وفتنة لأتباع المسيح بوجه عام . والله أعلم بما كان مما سكت عنه القرآن . وليس لنا من مصدر آخر نستفتيه واثقين في مثل هذه الشؤون إنما هو رأى نبديه بجوار آراء السلف عليهم رضوان الله .

3 - ظواهر تنفرد بها سورة المائدة :

تنفرد سورة المائدة بجملة من الظواهر لا نكاد نجد شيئا منها في غيرها من السور ، حتى في أطول سور القرآن وهي البقرة ، ذلك أنها لم تتحدث عن الشرك ولا عن المشركين على النحو الذي ألف في القرآن من محاجتهم وتسفيه أحلامهم وتحقير شركائهم ، وأنها لم تعرض في قليل ولا في كثير إلى ما عهد في أكثر السور المدنية التي نزلت قبلها من الحث على القتال والتحريض عليه ورسم خطط النصر والظفر بأعداء الله المشركين كما نراه في سورة البقرة وآل عمران والنساء والأنفال والتوبة ؛ لأن المسلمين في ذلك الوقت لم يكونوا بحاجة إلى شئ من هذا الحديث ، لقد اندحر الشرك وصار المشركون في قهر وذلة ويأس . ولكن إذا كان المشركون قد انقضى عهدهم والمسلمون قد علا شأنهم فإن المسلمين في حاجة إلى إكمال التشريع المنظم لشئونهم على وجه يضمن لهم دوام السعادة ويحفظ لهم السيادة ، ولهم بعد ذلك صلات خاصة بطوائف من أهل الكتاب يعيشون في ذمتهم وعهدهم ويخالطونهم في حياتهم ومعاملاتهم ، ومن هنا نتبين أن المسلمين في ذلك الوقت كانوا في حاجة إلى ما يعنيهم في الجانبين : جانب أنفسهم وجانب علاقتهم بأهل الكتاب ، وبذلك دار كل ما تضمنته سورة المائدة على
تفسير القرآن الكريم — صفحة 1015 | عبد الله محمود شحاتة