تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 1016

مساهمون:

ص١٠١٦
أمرين بارزين : تشريع المسلمين في خاصة أنفسهم وفي معاملة من يخالطون ، وإرشادات لطرق المحاجة والمناقشة وبيان الحق في المزاعم التي كان يثيرها أهل الكتاب مما يتصل بالعقائد والأحكام ، وفي سياق هذه المحاجة تعرض السورة لكثير من مواقف الماضيين من أسلاف أهل الكتاب مع أنبيائهم تسلية للنبي صلى اللّه عليه وسلم من جهة وتنديدا بهم عن طريق أسلافهم من جهة أخرى .

4 - تشريع القرآن :

نزل القرآن على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لينشئ به أمة وليقيم به دولة ، ولينظم به مجتمعا ، وليربى به ضمائر وأخلاقا وعقولا ؛ وليربط ذلك كله برباط قوى يجمع متفرقة ويؤلف أجزاءه ويشدها كلها إلى منزل هذا القرآن ، وإلى خالق الناس الذي أنزل لهم هذا القرآن . ومن ثم نجد في كثير من سور القرآن تشريعا إلى جانب موعظة ، وقصة إلى جانب فريضة ، ونجد التشريع الذي ينظم العلاقات الاجتماعية والدولية ، إلى جانب التشريع الذي يحل ويحرم ألوانا من الطعام أو ألوانا من السلوك والأعمال . وهذه السورة - سورة المائدة - مثل لتلك السور التي تلتقى فيها التربية الوجدانية بالتربية الاجتماعية بتشريع الحلال والحرام في الطعام والزواج ، بتشريع المعاملات الدولية فيما بين المسلمين وغير المسلمين ، بتعليم بعض الشرائع التعبدية ، ببيان الحدود والعقوبات في بعض الجرائم الاجتماعية ، بالمثل والموعظة والقصة ، بتصحيح العقيدة وتنقيتها من الأسطورة والخرافة في تناسق واتساق .

5 - الوفاء بالعقود :

تبدأ سورة المائدة ابتداء إلهيا للمؤمنين أن يوفوا بالعقود فتقول :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ . . .
والعقود : جمع عقد وهو ما يلتزمه المرء لنفسه أو لغيره ، وأساسه قد يكون شيئا فطريا تدعو إليه الطبيعة ، وقد يكون شيئا تكليفيا تدعو إليه العقيدة ، وقد يكون شيئا عرفيا يدعو إليه الالتزام والتعاهد والعقد العرفي ، أي : المتعارف عليه من عامة الناس ، يكون بين الفرد والفرد كما في البيع والزواج والشركة والوكالة والكفالة إلى آخر ما تعارفه الناس ويتعارفونه من وجوه الاتفاقات ، والكلمة عامة في الآية فإنها تأمر بالوفاء بالعقود ، فتشمل العقود كلها على اختلاف أنواعها