تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير كتاب الله العزيز — صفحة 133

مساهمون:

ص١٣٣
من النار
( فَإِنْ عُدْنا فَإِنَّا ظالِمُونَ )
فيمسك عنهم قدر عمر الدنيا مرّتين ثمّ يردّ عليهم :
قالَ اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ
( 108 ) . قال : فو اللّه ما ينبس القوم بعدها بكلمة ، وما هو إلّا الزفير والشهيق ، فشبّه أصواتهم بأصوات الحمير أوّلها زفير وآخرها شهيق . ذكر بعضهم أنّهم يدعون - قبل أن يدعوا مالكا - خزنة جهنّم عشرين عاما فلا تجيبهم . ثمّ تجيبهم :
قالُوا أَ وَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا بَلى قالُوا فَادْعُوا وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ
( 50 ) [ غافر : 50 ] ، ثمّ يدعون مالكا فلا يجيبهم أربعين عاما ، ثمّ يجيبهم :
( إِنَّكُمْ ماكِثُونَ ) .
ثمّ يدعون ربّهم فيذرهم قدر عمر الدنيا مرّتين ثمّ يجيبهم :
( اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ )
أي : اصغروا فيها . والخاسئ : الصاغر . وقال بعضهم : الخاسئ الذي لا يتكلّم بشيء ، ليس إلّا الزفير والشهيق . قوله :
إِنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبادِي :
يعني المؤمنين
يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ
( 109 ) : أي أفضل من رحم . وقد يجعل اللّه الرحمة في قلوب من يشاء ، وذلك من رحمة اللّه ، وهو أرحم الراحمين . ذكروا عن سلمان الفارسيّ قال : خلق اللّه مائة رحمة ، كلّ رحمة منها طباقها السماوات والأرض . فأنزل اللّه منها رحمة واحدة ؛ فبها يتراحم الخلائق حتّى ترحم الوالدة ولدها ، والبهيمة بهيمتها . فإذا كان يوم القيامة جاء بتلك التسع والتسعين رحمة فكملها مائة رحمة ، ثمّ نصبها بينه وبين خلقه . فالمحروم من حرم تلك الرحمة « 1 » . قوله :
فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا :
يقوله لأهل النار
حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ
( 110 ) : أي كانوا يسخرون بأصحاب « 2 »
هامش
( 1 ) هذا نصّ حديث رواه أحمد ومسلم عن سلمان الفارسيّ ، وروي عن أبي هريرة أيضا ، ورواه ابن ماجة وأحمد عن أبي سعيد . ولفظ مسلم في كتاب التوبة ، باب في سعة رحمة اللّه تبارك وتعالى . . . ( رقم 2752 ) : « عن أبي هريرة عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : إنّ للّه مائة رحمة ، أنزل منها رحمة واحدة بين الجنّ والإنس والبهائم والهوامّ ، فبها يتعاطفون ، وبها يتراحمون . وبها تعطف الوحش على ولدها ، وأخّر اللّه تسعا وتسعين رحمة ، يرحم بها عباده يوم القيامة » . ( 2 ) كذا في المخطوطات : « يسخرون بأصحاب الأنبياء » ، يقال : سخر به وسخر منه . وقال الفرّاء : سخرت منه ، ولا يقال : سخرت به ، وأجازه الأخفش . ولا شكّ أنّ أفصح اللغتين هي سخر منه ؛ لأنّها العبارة التي وردت في القرآن في آيات كثيرة ، كقوله تعالى في سورة هود : 38 :( وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ