فريق منهم : قد حلّت دماؤهم وهم مشركون مرتدّون ، وقال بعضهم : لم تحلّ دماؤهم ، هم قوم عرضت عليهم فتنة . فقال اللّه :
فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ ،
وليس يعني أنّهم في تلك الحال التي أظهروا فيها الشرك منافقون ، ولكنّه نسبه إلى أصلهم الذي كانوا عليه بما كان في قلوبهم من النفاق ؛ يقول ] : قال بعضكم كذا ، وقال بعضكم كذا ، فهلّا كنتم فيهم فئة واحدة [ ولم تختلفوا في قتلهم ] .
ثمّ قال اللّه :
وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا :
[ أي ردّهم إلى الشرك ] بما اقترفوا من النفاق .
أَ تُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا
( 88 )
وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً :
[ أي في الكفر شرعا سواء ] « 1 » . [
فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ :
] أي : لا توالوهم .
حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ :
فيرجعوا إلى الدار التي خرجوا منها ، يعني المدينة .
فَإِنْ تَوَلَّوْا :
أي أبوا الهجرة « 2 » .
فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً
( 89 ) « 3 » .
ثمّ استثنى قوما فنهى عن قتالهم فقال :
إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ :
هؤلاء بنو « 4 » مدلج كان بينهم وبين قريش عهد ، وكان بين رسول اللّه وبين قريش عهد ، فحرّم اللّه « 5 » من بني مدلج ما حرّم من قريش . وهذا منسوخ نسخته الآية التي في براءة :
فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ
[ التوبة : 5 ] .
قال :
أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ :
أي كارهة صدورهم
أَنْ يُقاتِلُوكُمْ أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ
هامش
( 1 ) زيادة من ز ، ورقة 70 .
( 2 ) زيادة من ز ، ورقة 70 .
( 3 ) ذكر المفسّرون لنزول الآية أسبابا مختلفة أشار المؤلّف هنا إلى بعضها ، وعدّد منها ابن الجوزيّ في تفسيره زاد المسير سبعة أقوال في ص 153 - 154 ، وذكر الواحديّ في أسباب النزول ثلاثة منها في ص 160 - 162 .
كما أشار البخاري في صحيحه إلى سبب منها رواه عن زيد بن ثابت في تفسيره للآية ، في كتاب التفسير ، وهو الذي يتعلّق بأناس من أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم رجعوا من أحد وكان الناس فيهم فرقتين .
( 4 ) بنو مدلج ، بطن من بطون العرب ينتسبون إلى مدلج بن مرّة بن عبد مناة بن كنانة . انظر ابن دريد ، الاشتقاق ، ص 195 ، وابن حزم ، جمهرة أنساب العرب ص 187 .
( 5 ) في ع ود : « حرم رسول اللّه » ، ويبدو أنه سهو من النسّاخ ، وأصحّ منه ما جاء في ز ، ورقة 70 : « فحرّم اللّه » ؛ لأنّ الآية القرآنيّة هي التي أفادت الحكم .