تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير كتاب الله العزيز — صفحة 236

مساهمون:

ص٢٣٦
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا :
هو الذي كانوا يعملون به في الجاهليّة ؛ إذا حلّ مال « 1 » أحدهم على صاحبه قال المطلوب : إنّ هذا ربا ، قالوا : لا ، سواء علينا زدنا في أوّل البيع أو عند محلّ الأجل . فأكذبهم اللّه فقال :
وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا .
ذكروا عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه قال : نهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن شرطين في بيع ، وعن بيع وسلف ، وعن بيع ما ليس عندك ، وربح ما لم تضمن « 2 » . ذكروا عن الحسن أنّه قال : نهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن بيع الغرر « 3 » . وذكروا عن الحسن أنّه قال : نهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن بيع البسر حتّى يحمرّ ، وعن بيع العنب
هامش
( 1 ) كذا في ق وع ود : « إذا حلّ مال أحدهم » ، وفي ز : « إذا حلّ دين أحدهم » . ( 2 ) ترجم البخاري في كتاب البيوع من صحيحه : باب بيع الطعام قبل أن يقبض وبيع ما ليس عندك . وروى في الباب حديثا عن ابن عبّاس بلفظ : « أمّا الذي نهى عنه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فهو الطعام أن يباع حتّى يقبض . قال ابن عبّاس : ولا أحسب كلّ شيء إلّا مثله » . وفي رواية لمسلم : « من ابتاع طعاما فلا يبعه حتّى يستوفيه » ، وفي رواية له أخرى « . . . حتّى يكتاله » . ( الحديث رقم 2525 ) . وأخرجه الربيع بن حبيب عن يحيى بن عامر عن عتاب بن أسيد في مسنده ج 4 ص 4 ( رقم 894 ) . هذه البيوع التي نهى الشارع عنها يجمع بينها كلّها ما فيها من ربا أو غرر وأضرار بالغة تعود على الناس في حياتهم الاقتصاديّة والاجتماعيّة . وقد جدّت في زماننا هذا صور أخرى من البيع والشراء والمعاملات الماليّة بحكم تطوّر الحياة وتعقّدها ، كثير منها لا يمتّ إلى الدين بصلة . وقد اقتبس المسلمون هذه الصور في التعامل من الدول الغربيّة ، بدون أن يميّزوا بين ما هو حلال منها وبين ما هو حرام ؛ فوقع الناس من حيث يشعرون أو لا يشعرون في الحرام ، وأكلوا أموالهم بينهم بالباطل ، فانتشر الربا في مجتمعاتهم ، وتعدّدت أسبابه ، وكثر متعاطوه ، وتفنّنوا في أساليبه حتّى صدق فيهم قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « يأتي على الناس زمان لا يبقى أحد إلّا أكل الربا ، ومن لم يأكل الربا أصابه غباره » . وسبب ذلك كلّه جهل الناس بشريعة ربّهم . وإعراضهم عما بيّنته سنّة نبيّهم في أبواب البيوع وفقه المعاملات . وتعاطى التجارة أناس لم يتفقّهوا في الدين ، فضلّوا وأضلّوا . فرحم اللّه أمّة قال عنها عمر رضي اللّه عنه : « لا يتّجر في سوقنا إلّا من فقه ، وإلّا أكل الربا » . وأظلّنا زمان عزّ فيه الرزق الحلال ، فلم نعد نأكل من طيّبات ما رزقنا اللّه حلالا طيّبا ، بل تمادينا في جمع حطام الدنيا من حلّه ومن غير حلّه ، وتيمّمنا الخبيث منه نأكل وننفق . ولا ناهي ولا منتهي ، ولا حول ولا قوّة إلّا باللّه العليّ العظيم . المحقّق . ( 3 ) ترجمه البخاري في كتاب البيوع ، باب بيع الغرر وحبل الحبلة ، روى فيه حديث النهي عن ذلك عن عبد اللّه بن عمر .
تفسير كتاب الله العزيز — صفحة 236 | الشيخ هود بن محكم الهواري الأوراسي