ولم يذكر في الآية تحديد المسؤول عنه في الأهلة . أهو حقائقها ، أم أحوالها ؟
لكن الجواب ووروده بقوله :
هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ
مشعر بأن السؤال كان عن الحكمة في تغيّرها ، وقد جاء الخبر بأن السؤال كان عن هذا ، فالخبر و « القرآن » متطابقان ، وعلى هذا فلا مفارقة بين السؤال والجواب .
مَواقِيتُ
جمع ميقات بمعنى الوقت . كالميعاد بمعنى الوعد ، وقال بعضهم :
الميقات منتهى الوقت ، قال اللّه تعالى :
فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً
[ الأعراف : 142 ] .
والهلال ميقات الشهر . ومواضع الإحرام مواقيت ، لأنها التي ينتهي عندها الحلّ .
وقد قال أبو بكر الرازي : إنّ هذه الآية تدل على جواز الإحرام بالحج في جميع شهور السنة ، لأنّ الأهلة لفظ عامّ . وقد بيّن اللّه أنها مواقيت للحج ، وهو استدلال غير ظاهر . لأننا قد بينّا أنّ المعنى أن الحكمة في تغيّر الأهلة بالزيادة والنقص أن يؤقت الناس بها في معاملاتهم وعباداتهم وحجهم ، وليس الكلام في بيان ما يكون في الشهر من العبادات وغيرها « 1 » .
وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
قيل : كان الناس من الأنصار إذا أهلّوا بالعمرة التزموا ألا يحول بينهم وبين السماء شيء ، ويتحرّون في ذلك . حتى إن من أهلّ بالعمرة ؛ وبدت له حاجة في بيته ؛ لا يدخل إلى البيت من الباب خشية أن يحول السقف بين السماء وبينه . فنزلت هذه الآية « 2 » . وقيل غير ذلك .
وقيل : إنه مثل ضربه اللّه تعالى لهم بأن يأتوا البر من وجهه الذي أمر اللّه به ، وليس هناك ما يمنع من إرادة الكل ، فتكون الآية دالّة على أن إتيان البيوت من ظهورها ليس قربة إلى اللّه تعالى ؛ ولا هو من شرعه ؛ ولا ندب إليه ، ويكون مع ذلك مثلا أرشدنا به إلى أن نأتي الأمور من مأتاها الذي أمرنا اللّه تعالى
وَلكِنَّ الْبِرَّ
برّ من اتقى محارم اللّه
وَاتَّقُوا اللَّهَ
بامتثال أوامره ، واجتناب نواهيه رجاء أن يكون في ذلك فلاح .
قال اللّه تعالى :
وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ( 190 ) وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ ( 191 ) فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 192 ) وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ ( 193 ) الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ( 194 )
هامش
( 1 ) انظر كتاب أحكام القرآن لأبي بكر الرازي ( 1 / 254 ) .
( 2 ) رواه ابن جرير الطبري في تفسيره جامع البيان ( 2 / 109 ) .