ولما كنا نرى أنه لا حاجة بنا في فهم هذه الآيات إلى القول بالنسخ ، ولمّا لم يكن يعرف أن هذه الآيات مقترنة في النزول ، أو مفصولة عن بعضها ، وكنا نرى أنها جميعها إلى قوله تعالى :
وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ
ملتئمة مع ما ذكرنا في سبب النزول ، وكان القول بالنسخ على هذا الوجه قد يؤدي إلى القول بالنسخ قبل التمكن ، وهو غير جائز عند البعض ، كان من رأينا أنّ الأولى الذهاب إلى القول بعدم النسخ .
على أنه إذا كان الداعي إلى القول بالنسخ هو عموم شرع القتال بالنظر للمشركين فنحن نجده في قوله تعالى :
وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً
[ التوبة : 36 ] وقوله :
قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً
[ التوبة : 123 ] وقوله :
فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ
[ التوبة : 5 ] وقوله :
قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ
[ التوبة : 29 ] فليس هناك ما يدعو إلى تفكيك آيات هي متصلة ببعضها تمام الاتصال بغير موجب .
على أن الفخر الرازي يرى أن آية
وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ
مع تسليم أنها في وجوب قتال المقاتلين فقط لا يلزم أن تكون منسوخة بقوله :
وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ
بفرض عموم هذه ، لأنّ غاية ما يلزم أن يكون قوله :
وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ
دالا على قتال المقاتلين فحسب ، من غير تعرّض لقتال غيرهم ، وقوله :
وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ
يفيد تعميم الحكم بعد التخصيص ، وذكر العامّ بعد الخاصّ يثبت زيادة حكم على حكم الخاصّ من غير أن ينسخه .
وأما قوله :
وَلا تَعْتَدُوا
فهذا يحتمل أن يكون معناه : ولا تبدءوا في الحرم ، أو لا تعتدوا بقتال من وادعوكم ، وألقوا إليكم السلم ، وكان بينكم وبينهم عهد .
إلى أن قال : وتحقيق القول : إنه تعالى أمر بالجهاد في الآية الأولى بشرط إقدام الكفار على المقاتلة ، وفي هذه الآية
وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ
زاد في التكليف ، فأمر بالجهاد معهم ، سواء أقاتلوا أو لم يقاتلوا ، واستثنى منه المقاتلة عند المسجد الحرام .
وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 192 )
.
روي عن مقاتل أنّ آية
وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ
منسوخة بقوله :
وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ
ثم تلك منسوخة أيضا بقوله :
وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ
.
وقال الفخر الرازي : وهو ضعيف ، أما أن قوله تعالى :
وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ
منسوخ فقد تقدم إبطاله . وأما قوله : إن هذه الآية منسوخة بقوله :
وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ
فهو تخصيص لا نسخ . وأما قوله : إنّ قوله تعالى :
وَلا تُقاتِلُوهُمْ