تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير آيات الأحكام — صفحة 101

مساهمون:

ص١٠١
المعنى : يا أيها المؤمنون الذين يخافون أن يمنعهم مشركو مكة عن زيارة بيت اللّه ؛ والاعتمار فيه ؛ نكثا منهم للعهد ، ويكرهون أن يدافعوا عن أنفسهم في الحرم وفي الشهر الحرام : اعلموا أنني قد أذنت لكم في القتال ، وأنتم إذ تقاتلونهم فإنما تفعلون ذلك في سبيل اللّه للتمكّن من عبادته ، وفوق ذلك فإنما تفعلون هذا مع من نكثوا عهد الصلح ، فقاتلوا في هذه السبيل الشريفة من يقاتلونكم ، ولا تعتدوا بالقتال فتبدءوهم ، ولا في القتال فتقتلوا من لم يقاتل ؛ كالنساء والصبيان والشيوخ والمرضى الذين لا يستطيعون قتالا ، أو من ألقى إليكم السلم وكفّ عن حربكم .
وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ
. الثقف : الأخذ ؛ والإدراك ؛ والظفر ، يقال : ثقفه : أخذه ؛ أو وجده ؛ أو ظفر به ، أو أدركه . والمعنى : اقتلوا هؤلاء الذين يقاتلونكم في أي مكان تمكّنتم منهم ، ولا يصدنّكم عنهم أنهم في أرض الحرم .
وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ
أجلوهم عن مكة كما أجلوكم عنها ، فقد كان المشركون يتربّصون بالمؤمنين الدوائر ، حتى اضطرّ هؤلاء أن يخرجوا فرارا بأنفسهم ودينهم ، ومع ذلك منعوهم من دخول مكة للعبادة . فما ذا على المؤمنين الذين أوذوا في سبيل اللّه وأخرجوا من ديارهم إذا قابلوا العدوان بمثله ؟ وهل يعيب أحد الدفاع عن النفس ؟ كلا .
وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ
[ البقرة : 251 ] .
وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ
الفتنة في الأصل مصدر فتن الصائغ الذهب والفضة إذا أذابهما في النار ليستخرج منهما الزغل ، ثم استعملت الفتنة في كل اختبار ، وهذا مبالغة في التحريض على المقاتلة ، أي أنّ ما تفعلونه معهم من القتل في الحرم أقلّ مما يتصفون به من الفتنة . ثم قيل : إن الفتنة هنا الكفر ، وقيل : المراد بها ما كان يقع من المشركين من صنوف الإيذاء والإعنات ، التي جعلت المؤمنين يفرّون بدينهم ، ولولا ذلك لما أمكنهم البقاء على الدين مع الإقامة على الاضطهاد والعسف ، وتقرير الآية التي معنا على هذا الوجه مطابق لقوله تعالى في آيات الحج
أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ( 39 ) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ
[ الحج : 39 ، 40 ] . ومن فسّر الفتنة بالشرك ادّعى أن قوله :
وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ
الآية ناسخ لما تقرّر في الآية الأولى من قتال المقاتلين فقط . ثم احتاج بعد هذا إلى أن يقول : وهذه الآية أيضا منسوخة بقوله تعالى :
وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ
، وهكذا ادعوا في هذه الآية نسخا متتاليا .