تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير آيات الأحكام — صفحة 732

مساهمون:

ص٧٣٢
ذلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ( 3 ) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً ذلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 4 )
رتب اللّه الكفارة على الظهار الذي يعقبه العود ، وقد اختلف أهل التأويل في العود ما هو ؟ فحكى عن مجاهد أنّ الظهار في الإسلام عود إلى ما كان عليه أهل الجاهلية ، ومعنى الآية عنده : والذين كان من عادتهم أن يظاهروا من نسائهم ، فقطعوا ذلك بالإسلام ، ثم يعودون لمثله ، فعلى من عاد منهم تحرير رقبة من قبل أن يتماسا . . إلخ فالكفارة تجب بنفس الظهار في الإسلام . وقد روي مثل ذلك عن طاوس والثوري وعثمان البتّي . وقال أبو العالية وأهل الظاهر : العود تكرار لفظ الظهار وإعادته ، فلا تلزم الكفارة إلا إذا أعاد لفظ الظهار . واختلفت الروايات عن الأئمة الأربعة ، فأصحّ الروايات عن أبي حنيفة أنّ العود هو العزم على الوطء . وروى ابن الجلّاب عن مالك روايتين : أولاهما : أنه العزم على الوطء . وثانيتهما : أنه العزم على الإمساك . وابن العربي ينقل عن « الموطأ » أنه العزم عليهما معا . وقال الإمام أحمد في قوله تعالى :
ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا
قال : هو الغشيان إذا أراد أن يغشى كفّر . اه . وقال الشافعي : الذي عقلت مما سمعت في
يَعُودُونَ لِما قالُوا
أنّ المظاهر حرم مس امرأته بالظهار ، فإذا أتت على المظاهر مدة بعد القول بالظهار ولم يحرّمها بالطلاق الذي يحرّم به ، ولا شيء يكون له مخرج من أن تحرم عليه به ، فقد وجب عليه كفارة الظهار ، كأنهم يذهبون إلى أنه إذا أمسك ما حرّم على نفسه عاد لما قال فخالفه ، فأحل ما حرّم ، ولا أعلم له معنى أولى به من هذا . فأمّا مجاهد ومن يرى رأيه ، فلم يخف عليهم أنّ العود شرط في الكفارة ، ولكنّ العود عندهم هو العود إلى ما كان عليه أهل الجاهلية من المظاهرة من الزوجات ، وهكذا استعملوا العود في معناه الحقيقي ، كما قال اللّه تعالى في جزاء الصيد :
عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ
[ المائدة : 95 ] أي ومن عاد للاصطياد بعد نزول تحريمه ، وكما قال تعالى :
عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا
[ الإسراء : 8 ] أي وإن عدتم إلى الذنب عدنا إلى العقوبة ، وقد أخبر اللّه عن الظهار أنه منكر وزور ، فهو معصية منهيّ عنه ، والعود إلى المنهي عنه فعله بعد النهي عنه .